حلم العرب
10-01-2008, 01:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الإتنولوجيا والأنتربولوجيا في الثقافة المغربية المعاصرة
د. عبد الله الشارف
كلية أصول الدين/ كلية الآداب تطوان
لم يكد المستعمرون يغادرون أرض الوطن حتى غدت أدبياتهم حول المغرب من أهم المـصادر التي يعتمد عليها كثير من الكتاب والأدباء المغاربة، بل هناك من قلدهم وتمثل رؤيتهم قبل الاستقلال بسنوات، منهم "أحمد الصفريوي الذي كتب باللغة الفرنسية، سنة 1954م رواية "صندوق العجب"، ورواية "بيت العبودية". إن الصفريوي صنف ضمن مجموعة الكتاب الاتنوغرافيين، وإن أسلوبه اللغوي الاغترابي، كان مفضلا عند الروائيين المستعمرين أمثال (جوزيف بيري) (وفريزون روش) وآخرون… إضافة إلى ذلك نجد أن الصفريوي يكثر بكل متعة وسرور من ذكر المشاهد التي تعتبر ـ من منظور أجنبي ـ جذابة ومثيرة للإعجاب؛ مثل الحمام المغربي والكتاب القرآني والأعياد الدينية... لكننا نعثر على نفس المشاهد عند بنجلون والخطيبي «[1] .
إن الروائيين المستعمرين عندما كانوا يسهبون في وصف تلك المشاهد والمناظر "العجائبية"، إنما يفعلون ذلك من أجل القارئ الأجنبي، وخاصة الفرنسي، الذي كان يحس بالمتعة عندما يقرأ تلك الروايات ويتمثل في مخيلته تلك المشاهد والصور. كما أنه من خلال قراءته لها يكون أفكارا وتصورات عن جانب من حياة المغاربة. في حين يظل تقليد الصفريوي و بنجلون والخطيبي للأدب الاتنولوجي الفرنسي تقليدا لامبرر له ولا يمكن استيعابه وتفسيره إلا من خلال مقولة الاستغراب.
وفي مجال الكتابة النقدية لوحظ ـ في العقود اللأخيرة ـ أن كثيرا من النقاد والكتاب المغاربة يستعملون المنهج أو المنظـور الانتربولوجي في دراساتهم النقدية. وقد يكون من الصعب تقصي أو تتبع مجموع هذه الدراسات، إلا أن ذلك لا يمنع من عرض بعض النصوص أو النماذج.
يقول محمد الدغمومي في كتابه "الرواية المغربية والتعبيرالاجتماعي" : «حين نواجه "التقافة المغربية" فنحن لا نتوخى سوى عناصر ذات تأثير، ولا ندعي أننا سنوفي المسألة حقها، خصوصا وأن الباحث في هذه الثقافة يصطدم بالفقر المذهل الذي يطبع البحث «العلمي» المتعلق بها وبانعدام البحث الانتربولوجي من جهة، وضحالة السوسيولوجيا الثقافية من جهة ثانية؛ الأمر الذي لا يترك امام الباحث سوى الاعتماد على شذرات جزئـية محدودة، وعلى خطابات حول «الثقافة المغربية» ذات بعــد ايديولوجي أو سياسي صريح... لقد أخذنا بالمفهوم الوارد عند أحـد علماء الانتربولوجيا والذي يعتبر الثقافة نظاما من التواصل الاجتماعي الذي يتم داخل المجتمع عبر قنوات، الفكر المقنن، (التشريعي)، قنـاة التفكير غير المقنن (اللاواعي)، قناة التفكير التقني، بحيث تشمل الثقافة كافة الانتاجات الفكرية والروحية والعلمية والتقاليد المميزة لجماعة بشرية»[2].
يقول أحمد بوكوس في مقال له عن "الوضعية اللغوية في المغرب": «إن مسألة التعليم ينظر إليها في إطار مركزية لغوية بحيث لا تدرس إلا اللغتان: العربية الفصحى والفرنسية، وكأن العربية الدارجة والأمازيغية لا يملكان أية وظيفة إدراكية معرفية، في حين كان من العملي والصواب أن يدمجا في النظام التعليمي« .[3]
ويتابع قائلا: «إلى متى سنظل معرضين عن تعاليم الانتربولوجيا الثقافية، ذلك العلم الذي يخبرنا... بعدم وجود ثقافات نوعية ناقلة لرؤى ـ عن العالم ـ مختلفة ومغايرة... ومن هنا فإن أية محاولة تهدف إلى إقامة وضع ترتيبي للغات والثقافات، لاتفسر إلا بكونها تبرير وتسويغ لنزعة عرقية وثقافية ولهيمنة رمزية».[4]
وقد عبرت الدكتورة رحمة بورقية في كتابها "الدولة والسلطة والمجتمع"[5] عن ميلها إلى التحليل الانتربولوجي في دراستها لقبائل زمور في النصف الثاني من القرن التاسع عشرالميلادي، وفيما بين 1960 و1980، ولموضوع المخزن والبيعة والزاوية والقداسة والعرف والسلطة المادية والعلاقات الاجتماعية بين القبائل، والمرأة والوشم... وكلهــا مجالات اتنولوجية وانتربولوجية بالدرجة الأولى. والملاحظ أنها اعتمدت على أشهر الاتنولوجيين والانتربولوجيين الذين اهتموا بدراسة هذه المجالات في المغرب. وهكذا يمكن لقارئ الكتاب أن يطلع في الهوامش على أسماء أمثال ج. بيرك , وك. براون ، وج. كولان، وإ. دوتي، وايـركمان ، وش. دوفوكـو ، وج. مارسي ، ور. مونتاني ، وم. بيلير...
كما استندت في تحليلها إلى مجموعة من أشهر المنظرين في الانتروبولوجيا، أذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر: كلود ليفي ستراوس ، وم. كودولييه ، وج. بالاندييه ... والقائمة طويلة بحيث يزيد عدد الأسماء على المائة كما يتبين من ثبت المراجع. والمطلع على الكتاب، يجد أن مضمونه مجرد ترديد لأفكار أولئك الاتنولوجيين والانتربولوجيين وإعادة ذكر لملاحظاتهم، اللهم إذا استثنينا بعض التعليقات والاجتهادات الشخصية للكاتبة، غير أنه غالبا ما تكون رهينة النظرة الانتربولوجية المعاصرة.
ومما جاء مسطرا على ظهر غلاف الكتاب المذكور مايلي:«إن الغاية مـن وضع هذا الكتاب هو الطبيعة المركبة لمكونات المجتمع المغربي في العصر الراهن. وقد ركزت الكاتبة أبحاثها الانتربولوجية على الطابع الخفي والاستراتيجي للسلطة في المجتمعات التقليدية ... لجأت إلى تتبع العلاقة التي تربط الدولة بقبائل زمور خلال مرحلتين وذلك بوضع قطاعيين في التاريخ: النصف الثاني من القرن التاسع عشر وعقدين من القرن الراهن( 1960-1980) ».
وفي الجزء الثاني من الكتاب تحت عنوان "الدولة ومنطقة زمور في الوقت الراهن" حيث قامت بتحليل بعض المواضيع مثل الاطار الجديد للسلطة والجماعة القروية وتمدن القرية أم تزييف المدينة ؟ والتعليم والتنمية القروية الخ ، اعتمدت كثيرا على آراء مجموعة من الاتنولوجيين والانتربولوجـــين المعاصــرين أمثال ج. واتربوري ، ور. لوفو، وج. بيروغييه ، وب. باسكون وغيرهم...
ولعل الدراسة التي قام بها محمد التوزي، باللغة الفرنسية، حول بعض المظاهر الدينية في المغرب المعاصر، من أحدث الدراسات الانتربولوجية الميدانية المتعلقة بالمجتمع المغربي وأصدقها تمثلا للروح الانتربولوجية الاستعمارية التي كانت سائدة زمن الاحتلال الأوربي للبلدان المستعمرة.
في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات قام بعض الباحثين ممن لهم ارتباط ب"المركز الوطني للبحوث العلمية" بفرنسا C.N.R.S بإعداد مجموعة من الأبحاث النظرية والميدانية منصبة حول قضايا دينية واجتماعية في دول المغرب العربي.وفي سنة 1981 نشر المركز المذكور مجموع تلك البحوث والدراسات في كتـاب يـزيـد عدد صفحاته على اربعـمـائة صفحة من الحجم الكبير، تحت عنوان: " المسلمون المغاربة في أواخر القرن 14 الهجري" « Le Maghreb Muslman en 1979 ».
الإتنولوجيا والأنتربولوجيا في الثقافة المغربية المعاصرة
د. عبد الله الشارف
كلية أصول الدين/ كلية الآداب تطوان
لم يكد المستعمرون يغادرون أرض الوطن حتى غدت أدبياتهم حول المغرب من أهم المـصادر التي يعتمد عليها كثير من الكتاب والأدباء المغاربة، بل هناك من قلدهم وتمثل رؤيتهم قبل الاستقلال بسنوات، منهم "أحمد الصفريوي الذي كتب باللغة الفرنسية، سنة 1954م رواية "صندوق العجب"، ورواية "بيت العبودية". إن الصفريوي صنف ضمن مجموعة الكتاب الاتنوغرافيين، وإن أسلوبه اللغوي الاغترابي، كان مفضلا عند الروائيين المستعمرين أمثال (جوزيف بيري) (وفريزون روش) وآخرون… إضافة إلى ذلك نجد أن الصفريوي يكثر بكل متعة وسرور من ذكر المشاهد التي تعتبر ـ من منظور أجنبي ـ جذابة ومثيرة للإعجاب؛ مثل الحمام المغربي والكتاب القرآني والأعياد الدينية... لكننا نعثر على نفس المشاهد عند بنجلون والخطيبي «[1] .
إن الروائيين المستعمرين عندما كانوا يسهبون في وصف تلك المشاهد والمناظر "العجائبية"، إنما يفعلون ذلك من أجل القارئ الأجنبي، وخاصة الفرنسي، الذي كان يحس بالمتعة عندما يقرأ تلك الروايات ويتمثل في مخيلته تلك المشاهد والصور. كما أنه من خلال قراءته لها يكون أفكارا وتصورات عن جانب من حياة المغاربة. في حين يظل تقليد الصفريوي و بنجلون والخطيبي للأدب الاتنولوجي الفرنسي تقليدا لامبرر له ولا يمكن استيعابه وتفسيره إلا من خلال مقولة الاستغراب.
وفي مجال الكتابة النقدية لوحظ ـ في العقود اللأخيرة ـ أن كثيرا من النقاد والكتاب المغاربة يستعملون المنهج أو المنظـور الانتربولوجي في دراساتهم النقدية. وقد يكون من الصعب تقصي أو تتبع مجموع هذه الدراسات، إلا أن ذلك لا يمنع من عرض بعض النصوص أو النماذج.
يقول محمد الدغمومي في كتابه "الرواية المغربية والتعبيرالاجتماعي" : «حين نواجه "التقافة المغربية" فنحن لا نتوخى سوى عناصر ذات تأثير، ولا ندعي أننا سنوفي المسألة حقها، خصوصا وأن الباحث في هذه الثقافة يصطدم بالفقر المذهل الذي يطبع البحث «العلمي» المتعلق بها وبانعدام البحث الانتربولوجي من جهة، وضحالة السوسيولوجيا الثقافية من جهة ثانية؛ الأمر الذي لا يترك امام الباحث سوى الاعتماد على شذرات جزئـية محدودة، وعلى خطابات حول «الثقافة المغربية» ذات بعــد ايديولوجي أو سياسي صريح... لقد أخذنا بالمفهوم الوارد عند أحـد علماء الانتربولوجيا والذي يعتبر الثقافة نظاما من التواصل الاجتماعي الذي يتم داخل المجتمع عبر قنوات، الفكر المقنن، (التشريعي)، قنـاة التفكير غير المقنن (اللاواعي)، قناة التفكير التقني، بحيث تشمل الثقافة كافة الانتاجات الفكرية والروحية والعلمية والتقاليد المميزة لجماعة بشرية»[2].
يقول أحمد بوكوس في مقال له عن "الوضعية اللغوية في المغرب": «إن مسألة التعليم ينظر إليها في إطار مركزية لغوية بحيث لا تدرس إلا اللغتان: العربية الفصحى والفرنسية، وكأن العربية الدارجة والأمازيغية لا يملكان أية وظيفة إدراكية معرفية، في حين كان من العملي والصواب أن يدمجا في النظام التعليمي« .[3]
ويتابع قائلا: «إلى متى سنظل معرضين عن تعاليم الانتربولوجيا الثقافية، ذلك العلم الذي يخبرنا... بعدم وجود ثقافات نوعية ناقلة لرؤى ـ عن العالم ـ مختلفة ومغايرة... ومن هنا فإن أية محاولة تهدف إلى إقامة وضع ترتيبي للغات والثقافات، لاتفسر إلا بكونها تبرير وتسويغ لنزعة عرقية وثقافية ولهيمنة رمزية».[4]
وقد عبرت الدكتورة رحمة بورقية في كتابها "الدولة والسلطة والمجتمع"[5] عن ميلها إلى التحليل الانتربولوجي في دراستها لقبائل زمور في النصف الثاني من القرن التاسع عشرالميلادي، وفيما بين 1960 و1980، ولموضوع المخزن والبيعة والزاوية والقداسة والعرف والسلطة المادية والعلاقات الاجتماعية بين القبائل، والمرأة والوشم... وكلهــا مجالات اتنولوجية وانتربولوجية بالدرجة الأولى. والملاحظ أنها اعتمدت على أشهر الاتنولوجيين والانتربولوجيين الذين اهتموا بدراسة هذه المجالات في المغرب. وهكذا يمكن لقارئ الكتاب أن يطلع في الهوامش على أسماء أمثال ج. بيرك , وك. براون ، وج. كولان، وإ. دوتي، وايـركمان ، وش. دوفوكـو ، وج. مارسي ، ور. مونتاني ، وم. بيلير...
كما استندت في تحليلها إلى مجموعة من أشهر المنظرين في الانتروبولوجيا، أذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر: كلود ليفي ستراوس ، وم. كودولييه ، وج. بالاندييه ... والقائمة طويلة بحيث يزيد عدد الأسماء على المائة كما يتبين من ثبت المراجع. والمطلع على الكتاب، يجد أن مضمونه مجرد ترديد لأفكار أولئك الاتنولوجيين والانتربولوجيين وإعادة ذكر لملاحظاتهم، اللهم إذا استثنينا بعض التعليقات والاجتهادات الشخصية للكاتبة، غير أنه غالبا ما تكون رهينة النظرة الانتربولوجية المعاصرة.
ومما جاء مسطرا على ظهر غلاف الكتاب المذكور مايلي:«إن الغاية مـن وضع هذا الكتاب هو الطبيعة المركبة لمكونات المجتمع المغربي في العصر الراهن. وقد ركزت الكاتبة أبحاثها الانتربولوجية على الطابع الخفي والاستراتيجي للسلطة في المجتمعات التقليدية ... لجأت إلى تتبع العلاقة التي تربط الدولة بقبائل زمور خلال مرحلتين وذلك بوضع قطاعيين في التاريخ: النصف الثاني من القرن التاسع عشر وعقدين من القرن الراهن( 1960-1980) ».
وفي الجزء الثاني من الكتاب تحت عنوان "الدولة ومنطقة زمور في الوقت الراهن" حيث قامت بتحليل بعض المواضيع مثل الاطار الجديد للسلطة والجماعة القروية وتمدن القرية أم تزييف المدينة ؟ والتعليم والتنمية القروية الخ ، اعتمدت كثيرا على آراء مجموعة من الاتنولوجيين والانتربولوجـــين المعاصــرين أمثال ج. واتربوري ، ور. لوفو، وج. بيروغييه ، وب. باسكون وغيرهم...
ولعل الدراسة التي قام بها محمد التوزي، باللغة الفرنسية، حول بعض المظاهر الدينية في المغرب المعاصر، من أحدث الدراسات الانتربولوجية الميدانية المتعلقة بالمجتمع المغربي وأصدقها تمثلا للروح الانتربولوجية الاستعمارية التي كانت سائدة زمن الاحتلال الأوربي للبلدان المستعمرة.
في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات قام بعض الباحثين ممن لهم ارتباط ب"المركز الوطني للبحوث العلمية" بفرنسا C.N.R.S بإعداد مجموعة من الأبحاث النظرية والميدانية منصبة حول قضايا دينية واجتماعية في دول المغرب العربي.وفي سنة 1981 نشر المركز المذكور مجموع تلك البحوث والدراسات في كتـاب يـزيـد عدد صفحاته على اربعـمـائة صفحة من الحجم الكبير، تحت عنوان: " المسلمون المغاربة في أواخر القرن 14 الهجري" « Le Maghreb Muslman en 1979 ».