االرحبي
09-26-2008, 06:59 PM
[SIZE="3"]إنَّ الفُوضى التي حلـَّتْ بإيران أثناءَ الحربِ العالَمِيةِ الأُولى، والتردِّي الحاصلِ في أحوالِها، والتأزُّمِ في أوضاعها.. أدَّى ذلكَ كلُّه إلى تمخُّضِ وظُهُورِ تطلـُّعاتٍ جديدةٍ انبثقتْ على الساحةِ الفكريةِ في المجالينِ الاجتماعيِّ والسياسي.. صبا إليها مثقَّفو الفُرسِ القوميونَ الذينَ احتضنتْ معظمَهم جامعاتُ أوروبا الغربيةِ؛ فكانُوا منَ العناصِرِ النَّشطةِ في الثَّورَةِ الدُّستورية (المشروطة)..
أناختْ تلك التطلـُّعاتُ، وحطـَّتْ رِحالَها عند بابِ (القوميـَّةِ الحديثة)؛ بُغيةَ الخلاصِ من تلكَ الأوضاعِ المُتردِّية والمتأزِّمة.. والتي نجمَ عنها - فيما بعدُ- جملةٌ من الوقائعِ والأحداث كانَ لها الأثرُ الفاعلُ لِما تلاها منْ أحداثٍ وتطوُّرات؛ إذْ تشكـَّلَ بُعيدَ الثورة الدُّستورية اتجاهٌ جديد في القومية الإيرانية..
إنَّ عدم التوفيقِ الذي حالَفَ الدُّستوريين في الوُصول إلى أهدافِ الثَّورة الأساسيةِ كانَ قدْ أقنعَ هؤلاءِ المثقفين بأنَّ سرَّ تقدُّمِ الغرب وتطوُّرِهِمْ لمْ يكنْ في النظام النيابيِّ، ولا في البرلمان وما شابهَ ذلك.. إنَّما هو مرهونٌ بوحدةِ البُلدان الغربية القوميةِ، والتي تعتمدُ - في واقعِ أمرِها- على رُكنين أساسيينِ، هُما: (الدولةُ)، و(القومُ)..
فَمِنَ الضَّروريِّ - إذنْ- أنْ ترجِعَ أسبابُ التَّفَرُّقِ والتمزُّق والشَّتَاتِ الذي يرزَحُ تحتَ وطأتِهِ الإيرانيون حيناً من الدهرِ إلى وُجُود قوميّاتٍ مُتعددة، ولغاتٍ مختلفة، ومذاهِبَ شتَّى!! وإنَّ تأسيس وحدةٍ قومية شاملة للإيرانيين لهُوَ وحدَهُ الكفيلُ بتهدئةِ الاضطراباتِ، وإنهاءِ الأزمات.. وَبَدَهِيٌّ أنَّ تلك الفكرةَ لا يتمّ تحقيقُها، وأنَّ تلكَ التطلُّعاتِ لا يمكنُ بُلُوغُها بِحَالٍ - كَمَا يرى الدُّستوريونَ- إلاَّ على حِسَاب قَمْعِ القوميَّات الأُخرى، وطمْسِ هُويَّة أصحابِها، وسَحْق كلَّ ما يتعلَّقُ بهم وبِتُراثِهم منَ المظاهرِ الجليةِ، والمعالِمِ الكامِنَة..
إنَّ الأملَ الأَسمى الذي كانَ يرنو إليهِ المثقفون الإيرانيون آنذاك هو إنشاءُ دولةٍ مُوحَّدةٍ قوية تُحِلُّ ما كانَ عليه بلاطُ القاجاريِّ الفاسد مَحلاً لها، وَتَقضي على حُكمِ وسُلطةِ الحُكَّامِ المحليينَ إلى الأبد.. وهذا هُو بالذات مَا دفعَ بالحُكُومات الإيرانية - منْ غيرِ استثناء - إلى أن تتبنَّى تلكَ السياسةَ البغيضة!!
ومِنْ ذلكَ المُنطلقِ صار النظامُ الفارسيُّ يتجاهلُ أيَّ وُجُودٍ عربيٍّ في الإقليم!! وإذا ما فَرضَ الواقِعُ العربيُّ وُجُودَهُ كحقيقةٍ لا يُمكِنُ إنكارُها، أو تجاهُلُها، أو التهاوُنُ بها بِحالٍ؛ اضْطُرَّ النظامُ إلى أن يَصِفَهم بـ(الأقلِّيَّة اللِّسانية) (******** minorities)!! فَمَـا أنِ اعتلى (رضا شاه) سُدّة الحكمِ في إيرانَ؛ حتى سَعَى جاهِداً منْ أجلِ تحقيقِ ذلكَ الهدَفِ المنشُود.. وهُو تأسيسُ دولةٍ قومية..
وقدِ ارتكزتْ تلكَ الآيدلوجيةُ على النُّقاطِ التالية:-
-1 وحدة اللغةِ منْ خِلالِ مَنْعِ التكلُّمِ بِغيرِ اللُّغةِ الفارِسِية..
-2 وحدة الأراضي منَ الناحيتين السياسيةِ والجغرافية..
-3 بناء جيشٍ حديثٍ ومتطوِّر ومُوحـَّد..
-4 التأكيد على العُنصرِ القومِيِّ المُشتركِ، وذلكَ منْ خِلال:-
أ - تغييرِ النِّسبةِ السُّكَّانية (عملية التهجير والاستيطان)..
ب - استبدال الزِّي التقليدي للقومياتِ بالزي البَهْلَوِيِّ المُوحَّد..
ج - مُحاربة جميعِ المعالِمِ غيرِ الفارِسيَّة؛ وذلكَ منْ أجلِ طَمسِها وإِبادتِها!! كتغييرِ أسماءِ المُدُن، والقُرى، والجِبالِ، والأنْهُر، و.. حتَّى أسماءِ الأشخاص (كما سنرى ذلك جلياً في الوُريْقات اللاحِقة)..
ولمْ يزلْ هذا الخِطابُ القوميُّ العنصري حاضِراً وحاكِمَاً في الساحةِ السياسية الفارسية (الإيرانية).. حتَّى تأثرت بِهِ جميعُ القوانينَ والإجْراءاتِ التأثيرَ كلَّه!! وقدْ تواطَأَ الخَلَفُ مَعَ السَّلَفِ منْ أجلِ تمريرِهِ بعدَ الإجماعِ التَّواطُؤِ عليه، ولمْ يكنْ هُنالِكَ - على الرَّغمِ منْ تبدُّلِ الأنظِمَةِ الحاكِمَةِ بينَ الفينةِ والأُخرى- أيَّةُ علائِمَ، أو شواهِدَ تَغْييرٍ، أو تعديلٍ لهذا الخِطاب.. اللهُمَّ إلاَّ في بعضِ الذَّرائِعِ، أوْ المبرِّرات، أوْ بعضِ الأساليبِ التي منْ شأنِها تعزيزُ ذلكَ الخِطَابِ وتقويتُه!!
نظرة العِرْق الفارسي للعرب
يحملُ التراثُ الفِكريُّ والأدبي الفارسيُّ بينَ جوانِحِهِ نظرةَ ازدراءٍ وعِداءٍ مُتأصِّلٍ خاصٍّ للعرب، وقدْ أُنشئَ الفارسيُّ على تِلْكَ النَّظرةِ الحاقِدةِ حتَّى غدتْ له طبعاً لا يستطيعُ مُفارَقَتَهُ، أو التَّخلِّي عنهُ بأيِّ حالٍ من الأحوال.. وحتَّى باتتْ ميزةً للأصالةِ الفارسية!! فمَا بَرِحَ أُدباؤهم يعكسونَ غوائِلَهُم منْ خلالِ أدبيَّاتِهِمُ الَّتي أظهرُوا منْ خِلالِها ما أضمَرُوهُ منْ حقدٍ دَفِينٍ على العَرَب عُمُوماً، وعلى الأَهوازيينَ منهُم على وَجْهِ الخُصُوصِ بِمَا يُكِنُّون لَهُم - أبداً- منْ عداءٍ وَكَرَاهيَّةٍ تَظهرُ - في كثيرٍ منَ الأَحايينَ- على مواقِفِهِمْ وسِياساتِهِمْ وتصرُّفاتِهِم!!
وَعَلى العُمُوم، فقدْ تكوَّنتْ تلك النَّظْرةُ العدائيةُ نتيجةَ تأثُّـرِ (الفرس المَوَالِي) وشُعُورِهِمْ بالاستِياءِ منْ اعتِلاءِ العَرَبِ سُدَّة الحُكْمِ لِفترةٍ طويلةٍ منَ الزَّمَن، ومِنَ التمييزِ الذي كانَ يُمارَسُ ضدَّهم من قِبَلِ السلطةِ العربيةِ الحاكِمَةِ آنذاك، وذلكَ خلال القَرنَيْنِ الثالث والرابع (هـ. ق)..
كَمَا أنها - أعني النَّظرة العدائية- تأثرتْ إلى حدٍّ كبير بالحَرَكةِ الشُّعُوبيةِ التي كانَ لِعَمَالِقَةِ تُراثِهِمُ الفِكْريِّ والأَدَبِيِّ الفارِسِيِّ الدَّورُ البارِزُ فيها.. وَهِيَ - أي الحركةُ الشعوبية- حركةٌ أعجميةٌ تذرَّعتْ بِمبْدأِ المُسَاواةِ مَعَ العَربِ.. ثُـمَّ تعدَّتْها إلى الاستيلاءِ عليهِمْ، والحَطِّ منْ شأنِهِم، والإساءةِ إلى الإسلامِ وتعاليمِه.. رافَقَ ذلكَ إحياءُ تُراثِها الدينيِّ، والثَّقافيِّ، واللُّغويِّ...
وتعودُ أسبابُ وِلادةِ ونُشُوءِ تلكَ الحركةِ إلى الآتي:-
أولاً:- الأسى الكامنُ في نُفُوسِ الفُرس منْ جرَّاءِ زَوالِ دولتِهِمُ العظيمة.. وبالتَّالِي السيطرة عليها منْ قِبَلِ العربِ خاصةً.. ذلكَ أنَّهُمْ كانُوا يحتَقِرُونَ العَرَبَ، ويَعُدُّونَهم أقلَّ الأُممِ شأناً؛ لأنَّهُم - في مِنظَارِ هؤُلاءِ- ينتَمُون إلى طبقةِ العَبِيدِ.. بينما يرَونَ أنفُسَهم هُمُ الأسياد..
ثانياً:- سُوء حالةِ المَوَالِي الاجتِماعية والاقتِصَادية؛ مِمَّا أدَّى إلى نِقْمتِهِم على الخِلافَةِ العبَّاسيَّة.. وذلِكَ منْ خِلالِ الطَّعنِ في العُرُوبةِ والإِسلام!! ويتَّضِحُ ذلك جلياً منْ خِلالِ النَّشاطاتِ الآتية:-
-1 الإلحاد والزَّنْدقة، وهدفُها الأَوحدُ، وشُغلُها الشَّاغِلُ هُـو تَهديمُ الإِسلامِ الَّذي حَمَلَهُ العربُ
المُسلِمونَ وبشَّرُوا به..
-2 إحياء التُّراثِ الفارِسِيِّ، وتفضيل الأعاجِمِ على العرب..
-3 الحط منْ شأْنِ العَرَبِ منْ خِلالِ إِظْهار مثالِبِهِم..
-4 الفصل بينَ العَرَب والدِّينِ الإِسلامِيِّ الَّذي جاؤُوا بِهِ لِلنَّاس كافة{1{
وقدْ برزتْ تلكَ الجَوَانبُ وغيرُها في أشعارِهِمْ وكتاباتِهِمْ غَداةَ تطوُّرِ الأَدبِ الفارِسيِّ!! وقدْ أشادَ المُؤرِّخُونَ والأُدَباءُ بِتلكَ النَّشاطاتِ المُبتَكَرةِ، وأَقرُّوا دُونَ مُوارَبَةٍ بأَنَّ الدَّوْرَ الأول والرَّئِيسَ في تطوُّرِ الأدَبِ الفارِسِي إنَّما يعُودُ - دُونَما رَيبٍ- لأُدباءِ الشُّعُوبيةِ.. فوجدْنَا النَّزْعةَ العُنصُريةَ قدْ تجلَّتْ في أضخَمِ وأَروعِ ما أنتَجَتْهُ ساحتُهُم الأَدبِيَّةُ آنذاك.. وأَودُّ أَنْ أُشيرَ هُنا - على سبيلِ التَّمثيلِ- إلى بيتينِ منْ ملحمةِ فردوسي الشهيرة (وفردوسي{2} هذا قدْ أمسى رَمْزاً لتُراثِهِمُ الثقافي).. حيثُ يقُـول:-
زشير وشتر خوردن وسوسمــار عرب را به جايي رسيده است كار
كــه ملك كيـاني كـــند آرزو تفوبر توأي چرخ گردن تــفـو
وفي ذلكَ وصفٌ للعرب بأنَّهُمْ ليسُوا إلاَّ آكلة الضَّبِّ، فأنَّى لهُمْ أنْ يتمَنَّوا المُلْكَ والحُكْمَ والمَكَانَةَ الرَّفِيعة!!
إنَّ تلكَ العُنصرية والنَّظرةَ العدائيةَ قدِ خالَجَتْ نُفُوسَهُمْ، وتَحكَّمَتْ في أذهانِهِم.. حتَّى أصبحتْ منْ الخِصالِ الحَمِيدَةِ، والسِّماتِ اللاَّزِمةِ، والشُّرُوطِ الواجِبَةِ.. فكُلُّ مَنْ قَفَزَ إلى السُّلْطةِ واعتَلَى سُدَّةَ الحُكْم في إيـرانَ؛ فمَا عليهِ، ولا يَسَعُهُ في أيِّ حالٍ منَ الأحوالِ غيرَ أن يتحلَّى بِتلكَ السِّماتِ؛ منْ أجلِ أنْ يُثبِتَ أصالَتَهُ الفارسية، وإِخلاصَهَ وولاءَهُ لَهَا..
الخطاب القومي الحديث عند الفرس
لقد تَعَرَّفَ المُثقَّفُونَ الفُرسُ في نِهايةِ القَرْن التَّاسِعِ عَشَرَ على الخِطَابِ الأوروبيِّ القومي، وتأثَّروا بِهِ إلى حدِّ اعتقادِهِمْ بالفاشيَّةِ نَهْجاً لِمَقَاصِدِهِمْ وأَهدافِهِمُ العُنصرية.. كَمَا عَزَا الكَثِيرُ منهُمْ مأْساةَ الفُرسِ المُزريةَ، وانحِطاطَهُم إلى مَجِيءِ العربِ، وتقويضِ الحُكْمِ السَّاسَانِيِّ على أيديهِم!! وَيعتقِدُونَ كذلِكَ بأنَّ سُلطةَ العَرَبِ الثَّقافِيةَ ما هِيَ إلاَّ امتدادٌ لسُلطتِهِمُ السياسيةِ - والتي آلتْ إلَى الفَنَاءِ في القَرْن الرابِعِ الهِجْرِي- وأنَّها أخطرُ بِكثيرٍ منها؛ حيثُ تغلغلتْ في ثقافتِهِمُ الفارسية، بلْ وهيمنتْ عليها.. كَمَا يَرَونَها السببَ الأساسيَّ في تخلُّفِهِمُ الثقافيِّ والفكري، وتأَخُّرِهِمْ عنِ الالتحاقِ بِرَكْبِ الغَربِ وحضارتِهِ..
وَلِهذا؛ فقدْ أفتَوا بمُحاربتِهَا وشَنِّ الهُجُومِ السَّافِرِ عليها ؛ بُغيَةَ التَّخَلُّص منها إلى الأبد، ومِنْ أجلِ دَرْسِ جميعِ آثارِهَا وَمَعالِمِها الظَّاهِرة وطَمْسِها!!! كَمَا أنَّهمْ تصدَّوا للإسلامِ الذي يحملُ بينَ جوانِحِهِ الطَّابِعَ الثَّقَافي للعَرَب؛ مُتذرِّعِينَ بِمُهاجَمَةِ العَرَبِ والعُرُوبةِ الغازِيَةِ لبِلادِهِمْ وامبراطوريَّتِهِم.. ومُشجِبِينَ ومُستَنكِرِين ذلكَ أيَّما استِنكَار(3)
وَبِما أنَّ الدِّينَ الإِسلامي الحَنيفَ يَحمِلُ صِفَتينِ مُمَيَّزتينِ لا تَنسَجِمُ معهما السِّياساتُ السُّلطَويةُ الفَارِسيةُ العُنصُرِية، وَهُما: الشَّكلُ العَرَبي، والرُّوحُ الثَّورِية؛ فقدْ سَعَتْ الأَنظِمةُ الفَارِسيةُ الحاكِمةُ جاهِدةً منْ أجلِ إِزالةِ هاتينِ الصِّفَتينِ منَ الدين؛ فَعَزلتِ العربيةَ كخطوةٍ أُولى عنِ الإِسلام، وأعلنتْ بِصراحةٍ بأَنَّها لا تعنِي الإسلامَ، وأنَّ الإسلامَ لا يعنِي العربيةَ بأيِّ شكلٍ منَ الأشكال!!
وقدْ ساعَدَ عَلَى تحقِيقِ تِلكَ المَسَاعِي وتكرِيسِها أنَّنا وَجَدنا العَرَبَ فِي كثيرٍ منَ الأحيَانِ - مَعَ شديدِ الأَسَفِ والأَسى- أبعَدَ ما يكُونُونَ عَنِ الإِسلامِ.. وهكذا فقدْ أوجَدُوا بأَنفُسِهِمُ الثَّغْرةَ لأعدائِهِمْ والمُتربِّصِينَ بِهِمُ الدَّوائِـرَ على أنْفسِهِم، وعَلَى دينِهِمْ؛ حتَّى صَار منَ المُمكِنِ لِلفارِسِيِّ أنْ يُنصِّبَ منْ نفسِهِ خَبِيراً في الشُّؤُونِ الدِّينيةِ منْ دُونِ أدنَى فَهمٍ للُّغةِ العربيةِ، أو حتَّى الرُّجُوع إلى النُّصُوصِِِ الدِّينية!!!
أمَّـا ما يكترِثُ بِهِ المؤمِنُ الغَيُورُ منَ النَّشاطاتِ العامَّةِ والصَّلاحِياتِ الدِّينيةِ الَّتي مَنَحُوها بِأَنفُسِهمْ لأَنفُسِهِم؛ فقدْ جاءتْ كخطوة أُخرى تاليةٍ فِي المُسلسلِ المتأنِّي الهادِئِ لسياساتِهِمُ العُنصُرِيةِ المُستلهِمَة منْ رُوحِ المَجُوسيةِ النابِتةِ فِي عِظَامِهِمْ، والجَارِيَةِ في عُرُوقِهِم!! تلكَ الخطوةُ هِي التأكيدُ الجازِمُ على المَذْهَبِ الشِّيعيِّ كَبَديلٍ عنِ الإسلامِ، وَكَوارِثٍ حقِيقِيٍّ لهُ (وكُلُّنا يعلمُ بِأَنَّ الوَارِثَ لا يَكُونُ وارِثاً حقَّاً إلاَّ بعدَ موتِ المَورُوثِ.. وَهَذَا بِالضَّبطِ ما عَنَوه وَسَعَوا جاهِدِينَ - وَمَـا زالُوا- منْ أجلِ تحقِيقِهِ).. والَّتِي تمكَّنُوا منْ خِلالِها منْ نَشْرِ أفكارِهِمُ السِّياسيةِ البَعِيدةِ المَرامِي، وبثِّ طُقُوسِهِمُ المَذْهبِيَّة السَّخِيفَةِ، كَمَلكاتِ الدِّينِ الحَنِيفِ، وبثِّ الخُرافةِ بِمُختَلَفِ صُوَرِها وأَشكالِهِا، ونشرِ رُوحِ الصُّوفيَّةِ السَّطحِيةِ الَّتي خلَّفتْ - ومَـا تَزَال- آثارَهَا السلبيةَ المَقِيتةَ منْ تَخدِيرِ الفِكْرِ، وَتدْجينِ الشُّعُور(4)
فَعَلَى سَبِيلِ المِثالِ: تُوجدُ في مدينةٍ صغيرةٍ كـ(المُحمـَّرة) أكثرُ منْ (360) حُسينية.. فتجنيدُ المَلالِي (رجالِ الدِّينِ) لتِلْكَ المهمة وتسليطُهُم على رِقَابِ النَّاسِ كانَ وَرَقتَهُمُ الرَّابحةَ والمجرَّبة فِيمَا مَضَى منَ تاريخ هَذَا الشَّعب فِي تَقْوِيضِ الحُكْم العَرَبي؛ مُتمثِّلاً بالفَتَاوى الدِّينيةِ الَّتي أُصدرتْ ظُلماً وزُوراً وبُهتاناً.. والَّتي تَتَماشَى وأهدافَ [الدِّين الجديد[
أمَّـا اليومَ.. فما فَتِئُوا يُجَرِّبونَ دورَهُمُ الخِيانِيَّ - فِي ظِلِّ السِّياسَاتِ والأَنظِمةِ الخائِنةِ والعَميلةِ- في نَبْذِ الحَرَكاتِ القوميةِ، وكبْتِ الإِحساسِ القَومِيِّ، ووأْدِ الحقِّ العربِيِّ باسمِ الدِّين والمَذهَبِ.. والدِّينُ منهُمْ براء (5)
وهكذا تُسحقُ كلُّ حَرَكةٍ تَصحيحِيَّةٍ أو إِصلاحِيةٍ في المنطقةِ منْ خِلالِ اتِّهَامِها بِالزَّندَقةِ، أوِ البَهَائِيةِ، أو منْ خِلالِ نِسبتِهَا إلَى (الوهَّابيةِ)؛ ليسهُلَ عليهِمْ وأدُها، وتحطيمُها والقضاء عليها قبلَ وُلادتها؛ تلبيةً لأَوامِرِ النِّظامِ الحاكِمِ ونَوَاهِيهِ، وإِرضاءً لرَغَباتِهِمُ الدِّينيةِ الدَّنِيئةِ، وَلَهثاً وَرَاءَ مَنَافِعِهِمُ السِّياسيةِ والشَّخصيةِ الرَّخِيصة..
وإلَى جانِبِ ذلِكَ كلِّهِ يأْتِي دورُهُمْ فِي تشوِيهِ المُناسَبَاتِ الإِسلامِيَّةِ منْ خِلالِ استِبدالِ طُقُوسِهِمُ البالِيَةِ بِالشَّعائِـرِ والمَراسيمِ الدِّينية كَجُزءٍ منْ مُتَطلَّلباتِ الوُصولِ إلى مُحاولاتِهِمُ التَّفريسيةِ!! فَنَراهُمْ - على سبيلِ المِثَالِ- يَحتفِلُونَ بِمراسِيمِهِمُ المَجُوسيةِ، ويُقيمُون نَشَاطاتِهِمُ الزرادشتيةِ منْ دُونِ أدنى مانِعٍ منْ حَيَاء، أوْ رَادِعٍ منْ دين!! بلْ أنَّ ذلكَ كلَّهُ يتمُّ على أحسنِ وجهٍ وأَسماهُ منْ خِلالِ المدٍّ اللامحدُودِ منْ قِبَلِ السُّلُطاتِ والأَنظِمةِ الحاكِمَةِ باسمِ (إحياءِ التُّراثِ القَومِي)!!!
ونَـرَاهُم كذلك يستقبِلُونَ أَعيادَهُمُ الفارِسيةَ، ويحتفُونَ ويحتفِلُونَ بها باهتِمامٍ بالِغٍ يكادُ يكونُ مُنقطِعَ النَّظِير.. بِحَيثُ أنَّكَ لا تَكادُ تَجِدُ مِعْشارَ هذا الاهتِمامِ فيما لوْ كانَ الأمرُ مُتعلِّقاً بِواحدٍ منَ الأعيادِ الإسلامية الَّتي بَارَكَها اللهُ U ورسُولُه (صلى الله عليه وآله وسلم)، كَعِيدِ الفِطْر المُبارَكِ، وكَعِيدِ الأضحى المُبارَكِ كَمَا سنُلاحِظُه لاحِقَاً(6)
وَفِيمَا يَأْتِـي عَرْضٌ مُوجَزٌ لأَهمِّ المَجَالاتِ الَّتي أثَّـر فِيها سلْباً وبِشكلٍ كبِيرْ نشاطُهُمُ التَّبشِيريُّ الآخذُ بالتُّوسُّع، وتيَّارُهُمُ الضَّارِبُ بأطنابِهِ هُنا وهُناك:-
-1في مجال اللغــة:-
إنَّ مِحورَ آيدلُوجيةِ التَّعليمِ للنظام هُو (اللُّغةُ الفارسية)، بِصفتِها دعامةً أساسيةً للشُّعُورِ القومِيِّ والوَطَني، وأَداةً لا سبيلَ للاستِغْناءِ عنها في الفَخْرِ الأدبيِّ والثَّقافيِّ، وَوَسِيلةً للوحدةِ الوطنية.. لِذَا كانَ حَرِيَّاً أنْ يُتوجَّهَ إليها بالذاتِ كلَّ هذَا التَّوجُّهِ، وأنْ يُهتَمَّ بِها أيَّما اهتِمام{7}.. يقُول أحدُ مُنظِّرِيهِمُ العُنصريينَ (محمود أفشار) في إحدى كتاباتِهِ ومقالاتِهِ مُؤكِّداً على هذا الجانِبِ الخَطِير:-
(يجبُ أن تنتشِرَ اللُّغةُ الفارِسيةُ في كُلِّ أرجاءِ البِلادِ، وَعَلى وجهِ الخُصُوصِ في (خوزستان) أيْ: (عربستان) و...)(8)
أَجَـلْ، إنَّ هَذَا القَمْعَ الثقافيَّ كانَ قدْ بدأَ مُنذُ عَهْدِ النِّظامِ البَهلَوِيِّ.. ولمْ يَزَلْ حتى يومِنا هذا، حيثُ ركَّزَتْ تِلْكَ الأنْظمُة القَمعِيةُ سياساتِها الغاشمةَ على طَمْسِ هويتِنَا [كَعَرَب]، وكرَّستْ جُلَّ اهتمامِها مُؤكِّدةً على إِماتةِ لُغَتِنا العربيةِ بِشتَّى السُّبُل الكَفِيلةِ بِذَلكَ، والَّتِي منها:-
-1 كونُ اللُّغةِ الفارِسية هِيَ اللُّغةُ الدِّراسيةُ الوحيدةُ للعَرَبِ، فَلا يُمكِنُ - لِذلكَ- لِلعربيِّ أنْ يطوِّرَ لهجَتَهُ المحليةَ.. بلْ إنَّهُ سيتأثَّرُ حتماً بلُغتِهِ الدِّراسيةِ مُنذُ الطُّفولةِ؛ فيُؤدِّي ذلكَ عندَهُ - بالنتيجةِ- إلى تهميشِ لُغتِهِ الأُمِّ شيئاً فشيئا..
-2 هيمنةُ اللُّغةِ الفارِسيةِ بصُورةٍ عامةٍ ومُطلقةٍ عَلَى جميعِ العلاقاتِ في المَجَالاتِ الاجتِماعيةِ، والسِّياسيةِ، والثَّقافيةِ، والعِلْميةِ، والفنِّيةِ، والمِهَنيةِ، والاقتصادِيةِ، والدِّراسيةِ، و...
-3 عدمُ مَنْحِ العَرَبِ حُقُوقَهُمُ القوميةَ، وعدمُ فسحِ المجالِ الرَّسمِيِّ لهُمْ منْ أجلِ مُمارَسةِ أعمالِهِمْ فيما يتعلَّقُ بشُؤُونِهِمُ القوميةِ، كدِرَاسةِ لُغتِهِمْ، والقيامِ بِالتعبِيرِ عنْ حُضُورِهمُ العَرَبيِّ كواقعٍ تاريخِيِّ واجتِماعي..
-4 تفريسُ المُدُنِ العربيةِ منْ خِلالِ نشرِ الفارسيةِ فيها لغةً وثقافة..
-5 إرغامُ المُعلِّمينَ والمُدرِّسين والموظَّفِين العربِ وبِشتَّى الوسائلِ والسُّبلِ على تَركِ مُدنِهِمْ ومناطِقِهِمُ العربيةِ، والتَّوجُّهِ إلى مُدُنِ شمالِ الإِقليم، وإلى مدن أُخرى نائيةٍ غيرِ عربية!! وعَلَى العكْس منْ ذلكَ: إرسالُ المُعلِّمينَ والمُدرِّسينَ الفُرسِ إلى المُدُنِ والقُرى العربيةِ، وتوفيرُ كافَّة الوسائلِ الكفيلةِ بِنَجاحِ الدَّوْرِ المَنوطِ بِهِمْ في تلكَ المُدُن!!!
-6 إصدارُ الأوامرِ الخبيثةِ عنْ طريقِ الوَزَاراتِ - والَّتي منها وزارةُ التَّعليمِ والتَّربيةِ- بِالمَنْع الباتِّ منَ النُّطْقِ باللُّغةِ العَرَبيةِ في الدوائِرِ والمَدَارِسِ.. وكُلُّنا يعلمُ بأنَّ اللُّغةَ منْ أهمِّ المقاييسِ والأُسُسِ العامةِ لمَعْرِفةِ هويةِ أيِّ شعبٍ منَ الشُّعُوبِ؛ فَهِيَ - كما يُقالُ- وَسَاطةُ التَّفاهُمِ العقليِّ، وأداةٌ للتَّعبيرِ عنِ الأفكارِ والشُّعُورِ، ووسيلةٌ لإظهارِ ثقافةِ الأُمةِ وحضارتِها، وإبرازُ شخصيتِها الَّتي تُميِّزُها عنْ غيرِها..
كانتْ تلكَ أهميةُ اللُّغةِ، وكانَ ذلكَ دورُها في حياةِ الشُّعُوبِ والأُمم.. وكانَ - فيما تقدَّم- السياسةُ الَّتي تَعامَلَ الفرسُ وحُكَّامُهم وأنظمتُهُم في مواجهتِهَا!!
يقترحُ منظِّرُوهم ودهاقنتُهُمْ ويَرَونَ بِأنَّ منَ الضَّروريِّ بِمكانٍ أنْ يُقدَّرَ حجْمُ الدورِ الخطيرِ الَّذي تلعبُهُ اللُّغة بينَ أفرادِها؛ لِذَا فإنَّهم يَرَونَ بأنَّه: (يجبُ أن تُقطَعَ جُذُورُ اللُّغةِ العَرَبيةِ في المنطقةِ، وأنْ تَتَغيَّرَ التقسيماتُ الجُغرافيةُ في البِلادِ؛ لِتنهارَ وتَضِيعَ الحُدُودُ والعناوينُ والأسماءُ العربيةُ للمنطقةُ.. كُمُا يَجِبُ تَهجيرُ بعضِ القَبائِلِ والعَشَائِـرِ والسُّكَّانِ العَرَبِ خارجَ الإقليم، و... و...)(9)
وقدْ أشارَ بعضُ الكُتَّابِ والباحِثِينَ إلى وحشيَّةِ تلكَ الحَرَكاتِ القَمعيةِ الظَّالِمةِ، ونَعتُوهَا بأَنَّها قَدْ حَرَمتْ - في أوائِلِ العقدِ الثَّمَانينيِّ للميلاد- ما يقرُبُ منْ (85%) منْ عَرَبِ المنطقةِ منَ التعلُّمِ والدِّراسةِ والتَّثقِيفِ؛ لِذَا فإنَّهمْ لا يستطيعُونَ القِراءةَ والكِتابةَ لا باللُّغةِ الفارِسيةِ، ولا بالعربيةِ(10)
وقدْ مهَّدَ السَّاسةُ الإيرانيونَ لِهذَا القَمعِ حينَما وصَفُوا عَرَبَ الإقليمِ بأنَّهمْ إيرانيُّو الأصلِ، أوْ عندما أطلَقُوا على الشَّعْبِ العربيِّ لفظَ (عربِ اللِّسان)..
2 - في المجال الاجتماعي:-
لمْ يكنْ منَ السَّهلِ الفصلُ بينَ المجالَينِ الاجتِماعِيِّ والاقتصاديِّ، ومنْ ثَمَّ البحثُ عنْ عِللِ وأسبابِ تردِّي وتقهقُرِ كلٍّ منهُما على حِدَه؛ وذلكَ لارتباطِهِما الوَثِيقِ بِبَعضِهِما البعضِ، وتَشَابُك قَضَاياهُما وَتَداخُلِها على الساحةِ!! إلاَّ أنَّ منَ المُمكنِ تَقَصِّي بعضِ الحَرَكاتِ القمعيةِ الاجتماعيةِ ومتابعتِها، وتسليطَ الضَّوءِ على بعضِ جوانِبِها؛ وذلكَ لِهَولِها وَفَداحةِ تَبِعَاتِها وَنَتَائِجِها!!
أَضربُ لكَ مثالاً على ما أقولُ بِظَاهرةِ المُخدرات.. فإنَّها تكادُ تقضي على الشَّبابِ العربي، بلْ على المُجتَمَعِ العربيِّ بأَسرِهِ في هذا الإقليمِ قضاءاً تاماً؛ لأَنَّها تنتشرُ وتُوزَّعُ في المنطقةِ - وبينَ العَرَبِ منهُمْ خاصة- بِسُهولَةٍ تكادُ تكونُ مُنقطعةَ النَّظِيرِ، وبِكثرةٍ مُفرِطَةٍ وَصَلتْ إلى حدٍّ مُخِيف، ومستوىً لا يُمكنُ الاستهانةُ بهِ، أو السكوتُ عنهُ.. [وليتَنا وَجدنَا هَذَا الاهتمامَ البالِغَ عَلَى صَعِيد التَّعليمِ، أوِ الخدمات، أوْ ...] حتَّى غَدَتْ تجارتُها أمراً عاديَّاً ومتعارَفاً ومألُوفاً لدى الأَوساطِ كافة.. بِحيثُ طَفِقَ الناشئةُ بِتعاطِيها كَالحلويات تمامَاً!!!
وَمِمَّا يُثِيرُ الانتباه ويجلِبُ المخاوفَ أكثر أنَّ تلكَ المخدرات غالباً ما تكونُ ظاهرةً تكترثُ بها باقِي المُدُنُ، وَتَدقُّ لها ناقُوسَ الخَطَر.. في حِين أنَّنا نَجِدُها عمَّت وطمَّتِ القُرى والأرياف، فضلاً عنِ المُدُنِ والأَحياء في ذلكَ الإقليم دُونَ ما أدنَى اكتِراثٍ.. وكأنَّ شيئاً لم يكُنْ!!!
-7 تأجيجُ الفِتَنِ والنَّعراتِ القَبَلية، وذلكَ مِنْ خِلالِ وسائلَ عديدةٍ.. منها منحُ الساسةِ الشُّيوخَ الدِّينيينَ دَورَهُمُ السلبي، والاعتراف بذلكَ الدورِ الفاعلِ ريثَما تقتضِي المصلحةُ ذلكَ.. وقدْ تمَّ تأسيسُ لجنةٍ تحمِلُ اسمَ (ستاد عشاير)؛ لِتلعَبَ دورَ الوَسَاطةِ بينَ العَرَبِ والنِّظَامِ القائِمِ فِي شُؤونِهِمُ العامةِ بِصُورةٍ عامَّةٍ، وفي شؤونِهِمُ القضائيةِ على وجهِ الخُصُوص.. كَمَا أنَّ المَحاكِمَ تُرجعُ الدَّعاوَى والقَضَايا الحُقُوقيةَ والجزائية العربيةَ إلى الشُّيُوخِ والسَّادةِ (الَّذينَ ينتسِبُونَ إلى الرَّسُول (صلى الله عليه وآله وسلم)).. وَبِذلكَ لمْ تتفاقمْ مشاكلُ العربِ في الإقليمِ فَحَسب؛ بلْ تمَّ تعزيزُ نِزاعاتِهِمْ وخِلافاتِهِمْ وَنَعراتِهِمْ فِيما بينهُمْ.. وبالتَّالي استمرارُ حُرُوبِهِمْ واشتِباكاتِهِم!!
-8 المباركةُ والاهتِمامُ والتَّرحيبُ المُفرِطُ والتَّوجُّهُ الذي يكادُ يكونُ منقطعَ النظيرِ بِبناءِ الأضْرِحةِ، وتشييدِ المَرَاقِدِ في الإقليمِ؛ والَّتي منْ شأنِها أنْ تُروِّجَ لانتشارِ أخبارِ المَعَاجِزِ، والكَرَاماتِ، والقَصَصِ العَجيبةِ الَّتي تلعبُ دَوراً فَاعِلاً في بثِّ الأساطيرِ والخُرافاتِ، وفي تشويشِ العقلِ العربي وشلِّهِ.. فضلاً عنْ جعلِ المجتمعِ العربيِّ مجتمعاً قطيعيَّاً (MassSociety) ما استطاعتْ إلى ذلك سبيلاً؛ إذْ أنَّ الإبداعَ يغدُو فيهِ بِدْعةً، والتحرُّرُ عُبُوديةً، والتعبيرُ عنِ حُريَّةِ الرَّأيِ دعوةً إلى التطرُّف والإرهاب!! [وليتَنا وَجدنَا كذلكَ هَذَا الاهتمامَ البالِغَ عَلَى صَعِيد التَّعليمِ، أوِ الخدمات، أوْ ...]
دراسة ادها مجموعة من مثقفي الأحواز نقلا ىعن موقع القادسية يتبع
]
أناختْ تلك التطلـُّعاتُ، وحطـَّتْ رِحالَها عند بابِ (القوميـَّةِ الحديثة)؛ بُغيةَ الخلاصِ من تلكَ الأوضاعِ المُتردِّية والمتأزِّمة.. والتي نجمَ عنها - فيما بعدُ- جملةٌ من الوقائعِ والأحداث كانَ لها الأثرُ الفاعلُ لِما تلاها منْ أحداثٍ وتطوُّرات؛ إذْ تشكـَّلَ بُعيدَ الثورة الدُّستورية اتجاهٌ جديد في القومية الإيرانية..
إنَّ عدم التوفيقِ الذي حالَفَ الدُّستوريين في الوُصول إلى أهدافِ الثَّورة الأساسيةِ كانَ قدْ أقنعَ هؤلاءِ المثقفين بأنَّ سرَّ تقدُّمِ الغرب وتطوُّرِهِمْ لمْ يكنْ في النظام النيابيِّ، ولا في البرلمان وما شابهَ ذلك.. إنَّما هو مرهونٌ بوحدةِ البُلدان الغربية القوميةِ، والتي تعتمدُ - في واقعِ أمرِها- على رُكنين أساسيينِ، هُما: (الدولةُ)، و(القومُ)..
فَمِنَ الضَّروريِّ - إذنْ- أنْ ترجِعَ أسبابُ التَّفَرُّقِ والتمزُّق والشَّتَاتِ الذي يرزَحُ تحتَ وطأتِهِ الإيرانيون حيناً من الدهرِ إلى وُجُود قوميّاتٍ مُتعددة، ولغاتٍ مختلفة، ومذاهِبَ شتَّى!! وإنَّ تأسيس وحدةٍ قومية شاملة للإيرانيين لهُوَ وحدَهُ الكفيلُ بتهدئةِ الاضطراباتِ، وإنهاءِ الأزمات.. وَبَدَهِيٌّ أنَّ تلك الفكرةَ لا يتمّ تحقيقُها، وأنَّ تلكَ التطلُّعاتِ لا يمكنُ بُلُوغُها بِحَالٍ - كَمَا يرى الدُّستوريونَ- إلاَّ على حِسَاب قَمْعِ القوميَّات الأُخرى، وطمْسِ هُويَّة أصحابِها، وسَحْق كلَّ ما يتعلَّقُ بهم وبِتُراثِهم منَ المظاهرِ الجليةِ، والمعالِمِ الكامِنَة..
إنَّ الأملَ الأَسمى الذي كانَ يرنو إليهِ المثقفون الإيرانيون آنذاك هو إنشاءُ دولةٍ مُوحَّدةٍ قوية تُحِلُّ ما كانَ عليه بلاطُ القاجاريِّ الفاسد مَحلاً لها، وَتَقضي على حُكمِ وسُلطةِ الحُكَّامِ المحليينَ إلى الأبد.. وهذا هُو بالذات مَا دفعَ بالحُكُومات الإيرانية - منْ غيرِ استثناء - إلى أن تتبنَّى تلكَ السياسةَ البغيضة!!
ومِنْ ذلكَ المُنطلقِ صار النظامُ الفارسيُّ يتجاهلُ أيَّ وُجُودٍ عربيٍّ في الإقليم!! وإذا ما فَرضَ الواقِعُ العربيُّ وُجُودَهُ كحقيقةٍ لا يُمكِنُ إنكارُها، أو تجاهُلُها، أو التهاوُنُ بها بِحالٍ؛ اضْطُرَّ النظامُ إلى أن يَصِفَهم بـ(الأقلِّيَّة اللِّسانية) (******** minorities)!! فَمَـا أنِ اعتلى (رضا شاه) سُدّة الحكمِ في إيرانَ؛ حتى سَعَى جاهِداً منْ أجلِ تحقيقِ ذلكَ الهدَفِ المنشُود.. وهُو تأسيسُ دولةٍ قومية..
وقدِ ارتكزتْ تلكَ الآيدلوجيةُ على النُّقاطِ التالية:-
-1 وحدة اللغةِ منْ خِلالِ مَنْعِ التكلُّمِ بِغيرِ اللُّغةِ الفارِسِية..
-2 وحدة الأراضي منَ الناحيتين السياسيةِ والجغرافية..
-3 بناء جيشٍ حديثٍ ومتطوِّر ومُوحـَّد..
-4 التأكيد على العُنصرِ القومِيِّ المُشتركِ، وذلكَ منْ خِلال:-
أ - تغييرِ النِّسبةِ السُّكَّانية (عملية التهجير والاستيطان)..
ب - استبدال الزِّي التقليدي للقومياتِ بالزي البَهْلَوِيِّ المُوحَّد..
ج - مُحاربة جميعِ المعالِمِ غيرِ الفارِسيَّة؛ وذلكَ منْ أجلِ طَمسِها وإِبادتِها!! كتغييرِ أسماءِ المُدُن، والقُرى، والجِبالِ، والأنْهُر، و.. حتَّى أسماءِ الأشخاص (كما سنرى ذلك جلياً في الوُريْقات اللاحِقة)..
ولمْ يزلْ هذا الخِطابُ القوميُّ العنصري حاضِراً وحاكِمَاً في الساحةِ السياسية الفارسية (الإيرانية).. حتَّى تأثرت بِهِ جميعُ القوانينَ والإجْراءاتِ التأثيرَ كلَّه!! وقدْ تواطَأَ الخَلَفُ مَعَ السَّلَفِ منْ أجلِ تمريرِهِ بعدَ الإجماعِ التَّواطُؤِ عليه، ولمْ يكنْ هُنالِكَ - على الرَّغمِ منْ تبدُّلِ الأنظِمَةِ الحاكِمَةِ بينَ الفينةِ والأُخرى- أيَّةُ علائِمَ، أو شواهِدَ تَغْييرٍ، أو تعديلٍ لهذا الخِطاب.. اللهُمَّ إلاَّ في بعضِ الذَّرائِعِ، أوْ المبرِّرات، أوْ بعضِ الأساليبِ التي منْ شأنِها تعزيزُ ذلكَ الخِطَابِ وتقويتُه!!
نظرة العِرْق الفارسي للعرب
يحملُ التراثُ الفِكريُّ والأدبي الفارسيُّ بينَ جوانِحِهِ نظرةَ ازدراءٍ وعِداءٍ مُتأصِّلٍ خاصٍّ للعرب، وقدْ أُنشئَ الفارسيُّ على تِلْكَ النَّظرةِ الحاقِدةِ حتَّى غدتْ له طبعاً لا يستطيعُ مُفارَقَتَهُ، أو التَّخلِّي عنهُ بأيِّ حالٍ من الأحوال.. وحتَّى باتتْ ميزةً للأصالةِ الفارسية!! فمَا بَرِحَ أُدباؤهم يعكسونَ غوائِلَهُم منْ خلالِ أدبيَّاتِهِمُ الَّتي أظهرُوا منْ خِلالِها ما أضمَرُوهُ منْ حقدٍ دَفِينٍ على العَرَب عُمُوماً، وعلى الأَهوازيينَ منهُم على وَجْهِ الخُصُوصِ بِمَا يُكِنُّون لَهُم - أبداً- منْ عداءٍ وَكَرَاهيَّةٍ تَظهرُ - في كثيرٍ منَ الأَحايينَ- على مواقِفِهِمْ وسِياساتِهِمْ وتصرُّفاتِهِم!!
وَعَلى العُمُوم، فقدْ تكوَّنتْ تلك النَّظْرةُ العدائيةُ نتيجةَ تأثُّـرِ (الفرس المَوَالِي) وشُعُورِهِمْ بالاستِياءِ منْ اعتِلاءِ العَرَبِ سُدَّة الحُكْمِ لِفترةٍ طويلةٍ منَ الزَّمَن، ومِنَ التمييزِ الذي كانَ يُمارَسُ ضدَّهم من قِبَلِ السلطةِ العربيةِ الحاكِمَةِ آنذاك، وذلكَ خلال القَرنَيْنِ الثالث والرابع (هـ. ق)..
كَمَا أنها - أعني النَّظرة العدائية- تأثرتْ إلى حدٍّ كبير بالحَرَكةِ الشُّعُوبيةِ التي كانَ لِعَمَالِقَةِ تُراثِهِمُ الفِكْريِّ والأَدَبِيِّ الفارِسِيِّ الدَّورُ البارِزُ فيها.. وَهِيَ - أي الحركةُ الشعوبية- حركةٌ أعجميةٌ تذرَّعتْ بِمبْدأِ المُسَاواةِ مَعَ العَربِ.. ثُـمَّ تعدَّتْها إلى الاستيلاءِ عليهِمْ، والحَطِّ منْ شأنِهِم، والإساءةِ إلى الإسلامِ وتعاليمِه.. رافَقَ ذلكَ إحياءُ تُراثِها الدينيِّ، والثَّقافيِّ، واللُّغويِّ...
وتعودُ أسبابُ وِلادةِ ونُشُوءِ تلكَ الحركةِ إلى الآتي:-
أولاً:- الأسى الكامنُ في نُفُوسِ الفُرس منْ جرَّاءِ زَوالِ دولتِهِمُ العظيمة.. وبالتَّالِي السيطرة عليها منْ قِبَلِ العربِ خاصةً.. ذلكَ أنَّهُمْ كانُوا يحتَقِرُونَ العَرَبَ، ويَعُدُّونَهم أقلَّ الأُممِ شأناً؛ لأنَّهُم - في مِنظَارِ هؤُلاءِ- ينتَمُون إلى طبقةِ العَبِيدِ.. بينما يرَونَ أنفُسَهم هُمُ الأسياد..
ثانياً:- سُوء حالةِ المَوَالِي الاجتِماعية والاقتِصَادية؛ مِمَّا أدَّى إلى نِقْمتِهِم على الخِلافَةِ العبَّاسيَّة.. وذلِكَ منْ خِلالِ الطَّعنِ في العُرُوبةِ والإِسلام!! ويتَّضِحُ ذلك جلياً منْ خِلالِ النَّشاطاتِ الآتية:-
-1 الإلحاد والزَّنْدقة، وهدفُها الأَوحدُ، وشُغلُها الشَّاغِلُ هُـو تَهديمُ الإِسلامِ الَّذي حَمَلَهُ العربُ
المُسلِمونَ وبشَّرُوا به..
-2 إحياء التُّراثِ الفارِسِيِّ، وتفضيل الأعاجِمِ على العرب..
-3 الحط منْ شأْنِ العَرَبِ منْ خِلالِ إِظْهار مثالِبِهِم..
-4 الفصل بينَ العَرَب والدِّينِ الإِسلامِيِّ الَّذي جاؤُوا بِهِ لِلنَّاس كافة{1{
وقدْ برزتْ تلكَ الجَوَانبُ وغيرُها في أشعارِهِمْ وكتاباتِهِمْ غَداةَ تطوُّرِ الأَدبِ الفارِسيِّ!! وقدْ أشادَ المُؤرِّخُونَ والأُدَباءُ بِتلكَ النَّشاطاتِ المُبتَكَرةِ، وأَقرُّوا دُونَ مُوارَبَةٍ بأَنَّ الدَّوْرَ الأول والرَّئِيسَ في تطوُّرِ الأدَبِ الفارِسِي إنَّما يعُودُ - دُونَما رَيبٍ- لأُدباءِ الشُّعُوبيةِ.. فوجدْنَا النَّزْعةَ العُنصُريةَ قدْ تجلَّتْ في أضخَمِ وأَروعِ ما أنتَجَتْهُ ساحتُهُم الأَدبِيَّةُ آنذاك.. وأَودُّ أَنْ أُشيرَ هُنا - على سبيلِ التَّمثيلِ- إلى بيتينِ منْ ملحمةِ فردوسي الشهيرة (وفردوسي{2} هذا قدْ أمسى رَمْزاً لتُراثِهِمُ الثقافي).. حيثُ يقُـول:-
زشير وشتر خوردن وسوسمــار عرب را به جايي رسيده است كار
كــه ملك كيـاني كـــند آرزو تفوبر توأي چرخ گردن تــفـو
وفي ذلكَ وصفٌ للعرب بأنَّهُمْ ليسُوا إلاَّ آكلة الضَّبِّ، فأنَّى لهُمْ أنْ يتمَنَّوا المُلْكَ والحُكْمَ والمَكَانَةَ الرَّفِيعة!!
إنَّ تلكَ العُنصرية والنَّظرةَ العدائيةَ قدِ خالَجَتْ نُفُوسَهُمْ، وتَحكَّمَتْ في أذهانِهِم.. حتَّى أصبحتْ منْ الخِصالِ الحَمِيدَةِ، والسِّماتِ اللاَّزِمةِ، والشُّرُوطِ الواجِبَةِ.. فكُلُّ مَنْ قَفَزَ إلى السُّلْطةِ واعتَلَى سُدَّةَ الحُكْم في إيـرانَ؛ فمَا عليهِ، ولا يَسَعُهُ في أيِّ حالٍ منَ الأحوالِ غيرَ أن يتحلَّى بِتلكَ السِّماتِ؛ منْ أجلِ أنْ يُثبِتَ أصالَتَهُ الفارسية، وإِخلاصَهَ وولاءَهُ لَهَا..
الخطاب القومي الحديث عند الفرس
لقد تَعَرَّفَ المُثقَّفُونَ الفُرسُ في نِهايةِ القَرْن التَّاسِعِ عَشَرَ على الخِطَابِ الأوروبيِّ القومي، وتأثَّروا بِهِ إلى حدِّ اعتقادِهِمْ بالفاشيَّةِ نَهْجاً لِمَقَاصِدِهِمْ وأَهدافِهِمُ العُنصرية.. كَمَا عَزَا الكَثِيرُ منهُمْ مأْساةَ الفُرسِ المُزريةَ، وانحِطاطَهُم إلى مَجِيءِ العربِ، وتقويضِ الحُكْمِ السَّاسَانِيِّ على أيديهِم!! وَيعتقِدُونَ كذلِكَ بأنَّ سُلطةَ العَرَبِ الثَّقافِيةَ ما هِيَ إلاَّ امتدادٌ لسُلطتِهِمُ السياسيةِ - والتي آلتْ إلَى الفَنَاءِ في القَرْن الرابِعِ الهِجْرِي- وأنَّها أخطرُ بِكثيرٍ منها؛ حيثُ تغلغلتْ في ثقافتِهِمُ الفارسية، بلْ وهيمنتْ عليها.. كَمَا يَرَونَها السببَ الأساسيَّ في تخلُّفِهِمُ الثقافيِّ والفكري، وتأَخُّرِهِمْ عنِ الالتحاقِ بِرَكْبِ الغَربِ وحضارتِهِ..
وَلِهذا؛ فقدْ أفتَوا بمُحاربتِهَا وشَنِّ الهُجُومِ السَّافِرِ عليها ؛ بُغيَةَ التَّخَلُّص منها إلى الأبد، ومِنْ أجلِ دَرْسِ جميعِ آثارِهَا وَمَعالِمِها الظَّاهِرة وطَمْسِها!!! كَمَا أنَّهمْ تصدَّوا للإسلامِ الذي يحملُ بينَ جوانِحِهِ الطَّابِعَ الثَّقَافي للعَرَب؛ مُتذرِّعِينَ بِمُهاجَمَةِ العَرَبِ والعُرُوبةِ الغازِيَةِ لبِلادِهِمْ وامبراطوريَّتِهِم.. ومُشجِبِينَ ومُستَنكِرِين ذلكَ أيَّما استِنكَار(3)
وَبِما أنَّ الدِّينَ الإِسلامي الحَنيفَ يَحمِلُ صِفَتينِ مُمَيَّزتينِ لا تَنسَجِمُ معهما السِّياساتُ السُّلطَويةُ الفَارِسيةُ العُنصُرِية، وَهُما: الشَّكلُ العَرَبي، والرُّوحُ الثَّورِية؛ فقدْ سَعَتْ الأَنظِمةُ الفَارِسيةُ الحاكِمةُ جاهِدةً منْ أجلِ إِزالةِ هاتينِ الصِّفَتينِ منَ الدين؛ فَعَزلتِ العربيةَ كخطوةٍ أُولى عنِ الإِسلام، وأعلنتْ بِصراحةٍ بأَنَّها لا تعنِي الإسلامَ، وأنَّ الإسلامَ لا يعنِي العربيةَ بأيِّ شكلٍ منَ الأشكال!!
وقدْ ساعَدَ عَلَى تحقِيقِ تِلكَ المَسَاعِي وتكرِيسِها أنَّنا وَجَدنا العَرَبَ فِي كثيرٍ منَ الأحيَانِ - مَعَ شديدِ الأَسَفِ والأَسى- أبعَدَ ما يكُونُونَ عَنِ الإِسلامِ.. وهكذا فقدْ أوجَدُوا بأَنفُسِهِمُ الثَّغْرةَ لأعدائِهِمْ والمُتربِّصِينَ بِهِمُ الدَّوائِـرَ على أنْفسِهِم، وعَلَى دينِهِمْ؛ حتَّى صَار منَ المُمكِنِ لِلفارِسِيِّ أنْ يُنصِّبَ منْ نفسِهِ خَبِيراً في الشُّؤُونِ الدِّينيةِ منْ دُونِ أدنَى فَهمٍ للُّغةِ العربيةِ، أو حتَّى الرُّجُوع إلى النُّصُوصِِِ الدِّينية!!!
أمَّـا ما يكترِثُ بِهِ المؤمِنُ الغَيُورُ منَ النَّشاطاتِ العامَّةِ والصَّلاحِياتِ الدِّينيةِ الَّتي مَنَحُوها بِأَنفُسِهمْ لأَنفُسِهِم؛ فقدْ جاءتْ كخطوة أُخرى تاليةٍ فِي المُسلسلِ المتأنِّي الهادِئِ لسياساتِهِمُ العُنصُرِيةِ المُستلهِمَة منْ رُوحِ المَجُوسيةِ النابِتةِ فِي عِظَامِهِمْ، والجَارِيَةِ في عُرُوقِهِم!! تلكَ الخطوةُ هِي التأكيدُ الجازِمُ على المَذْهَبِ الشِّيعيِّ كَبَديلٍ عنِ الإسلامِ، وَكَوارِثٍ حقِيقِيٍّ لهُ (وكُلُّنا يعلمُ بِأَنَّ الوَارِثَ لا يَكُونُ وارِثاً حقَّاً إلاَّ بعدَ موتِ المَورُوثِ.. وَهَذَا بِالضَّبطِ ما عَنَوه وَسَعَوا جاهِدِينَ - وَمَـا زالُوا- منْ أجلِ تحقِيقِهِ).. والَّتِي تمكَّنُوا منْ خِلالِها منْ نَشْرِ أفكارِهِمُ السِّياسيةِ البَعِيدةِ المَرامِي، وبثِّ طُقُوسِهِمُ المَذْهبِيَّة السَّخِيفَةِ، كَمَلكاتِ الدِّينِ الحَنِيفِ، وبثِّ الخُرافةِ بِمُختَلَفِ صُوَرِها وأَشكالِهِا، ونشرِ رُوحِ الصُّوفيَّةِ السَّطحِيةِ الَّتي خلَّفتْ - ومَـا تَزَال- آثارَهَا السلبيةَ المَقِيتةَ منْ تَخدِيرِ الفِكْرِ، وَتدْجينِ الشُّعُور(4)
فَعَلَى سَبِيلِ المِثالِ: تُوجدُ في مدينةٍ صغيرةٍ كـ(المُحمـَّرة) أكثرُ منْ (360) حُسينية.. فتجنيدُ المَلالِي (رجالِ الدِّينِ) لتِلْكَ المهمة وتسليطُهُم على رِقَابِ النَّاسِ كانَ وَرَقتَهُمُ الرَّابحةَ والمجرَّبة فِيمَا مَضَى منَ تاريخ هَذَا الشَّعب فِي تَقْوِيضِ الحُكْم العَرَبي؛ مُتمثِّلاً بالفَتَاوى الدِّينيةِ الَّتي أُصدرتْ ظُلماً وزُوراً وبُهتاناً.. والَّتي تَتَماشَى وأهدافَ [الدِّين الجديد[
أمَّـا اليومَ.. فما فَتِئُوا يُجَرِّبونَ دورَهُمُ الخِيانِيَّ - فِي ظِلِّ السِّياسَاتِ والأَنظِمةِ الخائِنةِ والعَميلةِ- في نَبْذِ الحَرَكاتِ القوميةِ، وكبْتِ الإِحساسِ القَومِيِّ، ووأْدِ الحقِّ العربِيِّ باسمِ الدِّين والمَذهَبِ.. والدِّينُ منهُمْ براء (5)
وهكذا تُسحقُ كلُّ حَرَكةٍ تَصحيحِيَّةٍ أو إِصلاحِيةٍ في المنطقةِ منْ خِلالِ اتِّهَامِها بِالزَّندَقةِ، أوِ البَهَائِيةِ، أو منْ خِلالِ نِسبتِهَا إلَى (الوهَّابيةِ)؛ ليسهُلَ عليهِمْ وأدُها، وتحطيمُها والقضاء عليها قبلَ وُلادتها؛ تلبيةً لأَوامِرِ النِّظامِ الحاكِمِ ونَوَاهِيهِ، وإِرضاءً لرَغَباتِهِمُ الدِّينيةِ الدَّنِيئةِ، وَلَهثاً وَرَاءَ مَنَافِعِهِمُ السِّياسيةِ والشَّخصيةِ الرَّخِيصة..
وإلَى جانِبِ ذلِكَ كلِّهِ يأْتِي دورُهُمْ فِي تشوِيهِ المُناسَبَاتِ الإِسلامِيَّةِ منْ خِلالِ استِبدالِ طُقُوسِهِمُ البالِيَةِ بِالشَّعائِـرِ والمَراسيمِ الدِّينية كَجُزءٍ منْ مُتَطلَّلباتِ الوُصولِ إلى مُحاولاتِهِمُ التَّفريسيةِ!! فَنَراهُمْ - على سبيلِ المِثَالِ- يَحتفِلُونَ بِمراسِيمِهِمُ المَجُوسيةِ، ويُقيمُون نَشَاطاتِهِمُ الزرادشتيةِ منْ دُونِ أدنى مانِعٍ منْ حَيَاء، أوْ رَادِعٍ منْ دين!! بلْ أنَّ ذلكَ كلَّهُ يتمُّ على أحسنِ وجهٍ وأَسماهُ منْ خِلالِ المدٍّ اللامحدُودِ منْ قِبَلِ السُّلُطاتِ والأَنظِمةِ الحاكِمَةِ باسمِ (إحياءِ التُّراثِ القَومِي)!!!
ونَـرَاهُم كذلك يستقبِلُونَ أَعيادَهُمُ الفارِسيةَ، ويحتفُونَ ويحتفِلُونَ بها باهتِمامٍ بالِغٍ يكادُ يكونُ مُنقطِعَ النَّظِير.. بِحَيثُ أنَّكَ لا تَكادُ تَجِدُ مِعْشارَ هذا الاهتِمامِ فيما لوْ كانَ الأمرُ مُتعلِّقاً بِواحدٍ منَ الأعيادِ الإسلامية الَّتي بَارَكَها اللهُ U ورسُولُه (صلى الله عليه وآله وسلم)، كَعِيدِ الفِطْر المُبارَكِ، وكَعِيدِ الأضحى المُبارَكِ كَمَا سنُلاحِظُه لاحِقَاً(6)
وَفِيمَا يَأْتِـي عَرْضٌ مُوجَزٌ لأَهمِّ المَجَالاتِ الَّتي أثَّـر فِيها سلْباً وبِشكلٍ كبِيرْ نشاطُهُمُ التَّبشِيريُّ الآخذُ بالتُّوسُّع، وتيَّارُهُمُ الضَّارِبُ بأطنابِهِ هُنا وهُناك:-
-1في مجال اللغــة:-
إنَّ مِحورَ آيدلُوجيةِ التَّعليمِ للنظام هُو (اللُّغةُ الفارسية)، بِصفتِها دعامةً أساسيةً للشُّعُورِ القومِيِّ والوَطَني، وأَداةً لا سبيلَ للاستِغْناءِ عنها في الفَخْرِ الأدبيِّ والثَّقافيِّ، وَوَسِيلةً للوحدةِ الوطنية.. لِذَا كانَ حَرِيَّاً أنْ يُتوجَّهَ إليها بالذاتِ كلَّ هذَا التَّوجُّهِ، وأنْ يُهتَمَّ بِها أيَّما اهتِمام{7}.. يقُول أحدُ مُنظِّرِيهِمُ العُنصريينَ (محمود أفشار) في إحدى كتاباتِهِ ومقالاتِهِ مُؤكِّداً على هذا الجانِبِ الخَطِير:-
(يجبُ أن تنتشِرَ اللُّغةُ الفارِسيةُ في كُلِّ أرجاءِ البِلادِ، وَعَلى وجهِ الخُصُوصِ في (خوزستان) أيْ: (عربستان) و...)(8)
أَجَـلْ، إنَّ هَذَا القَمْعَ الثقافيَّ كانَ قدْ بدأَ مُنذُ عَهْدِ النِّظامِ البَهلَوِيِّ.. ولمْ يَزَلْ حتى يومِنا هذا، حيثُ ركَّزَتْ تِلْكَ الأنْظمُة القَمعِيةُ سياساتِها الغاشمةَ على طَمْسِ هويتِنَا [كَعَرَب]، وكرَّستْ جُلَّ اهتمامِها مُؤكِّدةً على إِماتةِ لُغَتِنا العربيةِ بِشتَّى السُّبُل الكَفِيلةِ بِذَلكَ، والَّتِي منها:-
-1 كونُ اللُّغةِ الفارِسية هِيَ اللُّغةُ الدِّراسيةُ الوحيدةُ للعَرَبِ، فَلا يُمكِنُ - لِذلكَ- لِلعربيِّ أنْ يطوِّرَ لهجَتَهُ المحليةَ.. بلْ إنَّهُ سيتأثَّرُ حتماً بلُغتِهِ الدِّراسيةِ مُنذُ الطُّفولةِ؛ فيُؤدِّي ذلكَ عندَهُ - بالنتيجةِ- إلى تهميشِ لُغتِهِ الأُمِّ شيئاً فشيئا..
-2 هيمنةُ اللُّغةِ الفارِسيةِ بصُورةٍ عامةٍ ومُطلقةٍ عَلَى جميعِ العلاقاتِ في المَجَالاتِ الاجتِماعيةِ، والسِّياسيةِ، والثَّقافيةِ، والعِلْميةِ، والفنِّيةِ، والمِهَنيةِ، والاقتصادِيةِ، والدِّراسيةِ، و...
-3 عدمُ مَنْحِ العَرَبِ حُقُوقَهُمُ القوميةَ، وعدمُ فسحِ المجالِ الرَّسمِيِّ لهُمْ منْ أجلِ مُمارَسةِ أعمالِهِمْ فيما يتعلَّقُ بشُؤُونِهِمُ القوميةِ، كدِرَاسةِ لُغتِهِمْ، والقيامِ بِالتعبِيرِ عنْ حُضُورِهمُ العَرَبيِّ كواقعٍ تاريخِيِّ واجتِماعي..
-4 تفريسُ المُدُنِ العربيةِ منْ خِلالِ نشرِ الفارسيةِ فيها لغةً وثقافة..
-5 إرغامُ المُعلِّمينَ والمُدرِّسين والموظَّفِين العربِ وبِشتَّى الوسائلِ والسُّبلِ على تَركِ مُدنِهِمْ ومناطِقِهِمُ العربيةِ، والتَّوجُّهِ إلى مُدُنِ شمالِ الإِقليم، وإلى مدن أُخرى نائيةٍ غيرِ عربية!! وعَلَى العكْس منْ ذلكَ: إرسالُ المُعلِّمينَ والمُدرِّسينَ الفُرسِ إلى المُدُنِ والقُرى العربيةِ، وتوفيرُ كافَّة الوسائلِ الكفيلةِ بِنَجاحِ الدَّوْرِ المَنوطِ بِهِمْ في تلكَ المُدُن!!!
-6 إصدارُ الأوامرِ الخبيثةِ عنْ طريقِ الوَزَاراتِ - والَّتي منها وزارةُ التَّعليمِ والتَّربيةِ- بِالمَنْع الباتِّ منَ النُّطْقِ باللُّغةِ العَرَبيةِ في الدوائِرِ والمَدَارِسِ.. وكُلُّنا يعلمُ بأنَّ اللُّغةَ منْ أهمِّ المقاييسِ والأُسُسِ العامةِ لمَعْرِفةِ هويةِ أيِّ شعبٍ منَ الشُّعُوبِ؛ فَهِيَ - كما يُقالُ- وَسَاطةُ التَّفاهُمِ العقليِّ، وأداةٌ للتَّعبيرِ عنِ الأفكارِ والشُّعُورِ، ووسيلةٌ لإظهارِ ثقافةِ الأُمةِ وحضارتِها، وإبرازُ شخصيتِها الَّتي تُميِّزُها عنْ غيرِها..
كانتْ تلكَ أهميةُ اللُّغةِ، وكانَ ذلكَ دورُها في حياةِ الشُّعُوبِ والأُمم.. وكانَ - فيما تقدَّم- السياسةُ الَّتي تَعامَلَ الفرسُ وحُكَّامُهم وأنظمتُهُم في مواجهتِهَا!!
يقترحُ منظِّرُوهم ودهاقنتُهُمْ ويَرَونَ بِأنَّ منَ الضَّروريِّ بِمكانٍ أنْ يُقدَّرَ حجْمُ الدورِ الخطيرِ الَّذي تلعبُهُ اللُّغة بينَ أفرادِها؛ لِذَا فإنَّهم يَرَونَ بأنَّه: (يجبُ أن تُقطَعَ جُذُورُ اللُّغةِ العَرَبيةِ في المنطقةِ، وأنْ تَتَغيَّرَ التقسيماتُ الجُغرافيةُ في البِلادِ؛ لِتنهارَ وتَضِيعَ الحُدُودُ والعناوينُ والأسماءُ العربيةُ للمنطقةُ.. كُمُا يَجِبُ تَهجيرُ بعضِ القَبائِلِ والعَشَائِـرِ والسُّكَّانِ العَرَبِ خارجَ الإقليم، و... و...)(9)
وقدْ أشارَ بعضُ الكُتَّابِ والباحِثِينَ إلى وحشيَّةِ تلكَ الحَرَكاتِ القَمعيةِ الظَّالِمةِ، ونَعتُوهَا بأَنَّها قَدْ حَرَمتْ - في أوائِلِ العقدِ الثَّمَانينيِّ للميلاد- ما يقرُبُ منْ (85%) منْ عَرَبِ المنطقةِ منَ التعلُّمِ والدِّراسةِ والتَّثقِيفِ؛ لِذَا فإنَّهمْ لا يستطيعُونَ القِراءةَ والكِتابةَ لا باللُّغةِ الفارِسيةِ، ولا بالعربيةِ(10)
وقدْ مهَّدَ السَّاسةُ الإيرانيونَ لِهذَا القَمعِ حينَما وصَفُوا عَرَبَ الإقليمِ بأنَّهمْ إيرانيُّو الأصلِ، أوْ عندما أطلَقُوا على الشَّعْبِ العربيِّ لفظَ (عربِ اللِّسان)..
2 - في المجال الاجتماعي:-
لمْ يكنْ منَ السَّهلِ الفصلُ بينَ المجالَينِ الاجتِماعِيِّ والاقتصاديِّ، ومنْ ثَمَّ البحثُ عنْ عِللِ وأسبابِ تردِّي وتقهقُرِ كلٍّ منهُما على حِدَه؛ وذلكَ لارتباطِهِما الوَثِيقِ بِبَعضِهِما البعضِ، وتَشَابُك قَضَاياهُما وَتَداخُلِها على الساحةِ!! إلاَّ أنَّ منَ المُمكنِ تَقَصِّي بعضِ الحَرَكاتِ القمعيةِ الاجتماعيةِ ومتابعتِها، وتسليطَ الضَّوءِ على بعضِ جوانِبِها؛ وذلكَ لِهَولِها وَفَداحةِ تَبِعَاتِها وَنَتَائِجِها!!
أَضربُ لكَ مثالاً على ما أقولُ بِظَاهرةِ المُخدرات.. فإنَّها تكادُ تقضي على الشَّبابِ العربي، بلْ على المُجتَمَعِ العربيِّ بأَسرِهِ في هذا الإقليمِ قضاءاً تاماً؛ لأَنَّها تنتشرُ وتُوزَّعُ في المنطقةِ - وبينَ العَرَبِ منهُمْ خاصة- بِسُهولَةٍ تكادُ تكونُ مُنقطعةَ النَّظِيرِ، وبِكثرةٍ مُفرِطَةٍ وَصَلتْ إلى حدٍّ مُخِيف، ومستوىً لا يُمكنُ الاستهانةُ بهِ، أو السكوتُ عنهُ.. [وليتَنا وَجدنَا هَذَا الاهتمامَ البالِغَ عَلَى صَعِيد التَّعليمِ، أوِ الخدمات، أوْ ...] حتَّى غَدَتْ تجارتُها أمراً عاديَّاً ومتعارَفاً ومألُوفاً لدى الأَوساطِ كافة.. بِحيثُ طَفِقَ الناشئةُ بِتعاطِيها كَالحلويات تمامَاً!!!
وَمِمَّا يُثِيرُ الانتباه ويجلِبُ المخاوفَ أكثر أنَّ تلكَ المخدرات غالباً ما تكونُ ظاهرةً تكترثُ بها باقِي المُدُنُ، وَتَدقُّ لها ناقُوسَ الخَطَر.. في حِين أنَّنا نَجِدُها عمَّت وطمَّتِ القُرى والأرياف، فضلاً عنِ المُدُنِ والأَحياء في ذلكَ الإقليم دُونَ ما أدنَى اكتِراثٍ.. وكأنَّ شيئاً لم يكُنْ!!!
-7 تأجيجُ الفِتَنِ والنَّعراتِ القَبَلية، وذلكَ مِنْ خِلالِ وسائلَ عديدةٍ.. منها منحُ الساسةِ الشُّيوخَ الدِّينيينَ دَورَهُمُ السلبي، والاعتراف بذلكَ الدورِ الفاعلِ ريثَما تقتضِي المصلحةُ ذلكَ.. وقدْ تمَّ تأسيسُ لجنةٍ تحمِلُ اسمَ (ستاد عشاير)؛ لِتلعَبَ دورَ الوَسَاطةِ بينَ العَرَبِ والنِّظَامِ القائِمِ فِي شُؤونِهِمُ العامةِ بِصُورةٍ عامَّةٍ، وفي شؤونِهِمُ القضائيةِ على وجهِ الخُصُوص.. كَمَا أنَّ المَحاكِمَ تُرجعُ الدَّعاوَى والقَضَايا الحُقُوقيةَ والجزائية العربيةَ إلى الشُّيُوخِ والسَّادةِ (الَّذينَ ينتسِبُونَ إلى الرَّسُول (صلى الله عليه وآله وسلم)).. وَبِذلكَ لمْ تتفاقمْ مشاكلُ العربِ في الإقليمِ فَحَسب؛ بلْ تمَّ تعزيزُ نِزاعاتِهِمْ وخِلافاتِهِمْ وَنَعراتِهِمْ فِيما بينهُمْ.. وبالتَّالي استمرارُ حُرُوبِهِمْ واشتِباكاتِهِم!!
-8 المباركةُ والاهتِمامُ والتَّرحيبُ المُفرِطُ والتَّوجُّهُ الذي يكادُ يكونُ منقطعَ النظيرِ بِبناءِ الأضْرِحةِ، وتشييدِ المَرَاقِدِ في الإقليمِ؛ والَّتي منْ شأنِها أنْ تُروِّجَ لانتشارِ أخبارِ المَعَاجِزِ، والكَرَاماتِ، والقَصَصِ العَجيبةِ الَّتي تلعبُ دَوراً فَاعِلاً في بثِّ الأساطيرِ والخُرافاتِ، وفي تشويشِ العقلِ العربي وشلِّهِ.. فضلاً عنْ جعلِ المجتمعِ العربيِّ مجتمعاً قطيعيَّاً (MassSociety) ما استطاعتْ إلى ذلك سبيلاً؛ إذْ أنَّ الإبداعَ يغدُو فيهِ بِدْعةً، والتحرُّرُ عُبُوديةً، والتعبيرُ عنِ حُريَّةِ الرَّأيِ دعوةً إلى التطرُّف والإرهاب!! [وليتَنا وَجدنَا كذلكَ هَذَا الاهتمامَ البالِغَ عَلَى صَعِيد التَّعليمِ، أوِ الخدمات، أوْ ...]
دراسة ادها مجموعة من مثقفي الأحواز نقلا ىعن موقع القادسية يتبع
]