المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المتمصوفة والتضليل السلوكي


حلم العرب
08-13-2008, 10:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه

"المتمصوفة والتضليل السلوكي"
الدكتور محمد بنيعيش
كلية أصول الدين
جامعة القرويين
المغربأ‌)
الفصل الموضوعي بين الصوفية والمتمصوفة:

كثيرة هي الأخطاء التي قد يقع فيها اشباه العلماء والباحثين الكسيحين بله الجمهور والعامة المغرورون من التابعين لهم بسوء فيما يتعلق بتعريف التصوف وضبط حقيقته، ومن ثم تعيين طريقته والجماعة الممثلة له على سبيل الذوق والعرفان والتدقيق في التحقيق.
ومن هنا فقد يختلط في المفاهيم معنى التصوف بالفقر أو الزهد أو العزلة والاعتزال وقد ينسب إليه وصف الهرمسية والهروب من الواقع والعالم ودلالاته العلمية والمعرفية... فتسقط عليه حينئذ الأوصاف الرديئة جزافا وينسب الشيء إلى غير مقامه وبالتالي سيتنقص من قيمه ومرامه.
1وعن مقدمات هذا الخلط يقول السهروردي في عوارف المعارف "فقد تذكر أشياء في معنى التصوف ذكر مثلها في معنى الفقر وتذكر اشياء في معنى الفقر ذكر مثلها في معنى التصوف، وحيث وقع الاشتباه فلا بد من بيان فاصل، فقد تشتبه الإشارات في الفقر بمعاني الزهد تارة ومعاني التصوف تارة ولا يتبين للمسترشد بعضها من البعض، فنقول: التصوف غير الفقر والزهد غير الفقر والتصوف غير الزهد، فالتصوف اسم جامع لمعاني الفقر ومعاني الزهد مع مزيد أوصاف وإضافات لا يكون بدونها الرجل صوفيا وإن كان زاهدا وفقيرا... سئل أبو محمد الحريري عن التصوف فقال: الدخول في كل خلق سني والخروج عن كل خلق دني، فإذا عرف هذا المعنى في التصوف من حصول الأخلاق وتبديلها واعتبر حقيقتها يعلم أن التصوف فوق الزهد وفوق الفقر، وقيل نهاية الفقر مع شرفه هو بداية التصوف" .
وإذ لخص لنا هذا النص الخصوصية المبدئية لمصطلح التصوف كميدان وحقل معرفي وسلوكي متميز فإنه بالضرورة يطرح السبر والتقسيم من أجل تحديد خصوصية الممارس للتصوف وتحديد مصطلحه كوصف بحسب مناسبته للخصوصية الاصطلاحية المحددة لحقيقة التصوف وماهيته.
يقول السهروردي في تحقيق مصطلح الصوفي ومضمونه: "واعلم أن كل حال شريف نعزوه إلى الصوفية في هذا الكتاب –أي عوارف المعارف- هو حال المقرب، والصوفي هو المقرب، وليس في القرآن اسم الصوفي، واسم الصوفي ترك ووضع للمقرب على ما سنشرح ذلك في بابه، ولا يعرف في طرفي بلاد الإسلام شرقا وغربا هذا الاسم لأهل القرب، وإنما يعرف للمترسمين، وكم من الرجال المقربين في بلاد المغرب وبلاد تركستان وما وراء النهر ولا يسمون صوفية لأنهم لا يتزيون بزي الصوفية، ولا مشاحة في الألفاظ، فيعلم أنا نعني بالصوفية المقربين، فمشايخ الصوفية الذين أسماؤهم في الطبقات وغير ذلك من الكتب كلهم كانوا في طريق المقربين وعلومهم علوم أحوال المقربين، ومن تطلع إلى مقام المقربين من جملة الأبرار فهو متصور ما لم يتحقق حالهم، فإذا تحقق بحالهم صار صوفيا ومن عداهما ممن تميز بزي ونسب إليهم فهو متشبه "وفوق كل ذي علم عليم"..."
والتحقق بالحال عند الصوفية يعطي لهم وعيا موحدا بالمصطلح الموظف بينهم على سبيل الإشارة ولومن غير تلقين واكتساب كما يذكر ابن عربي الحاتمي هذه الخصوصية الاصطلاحية عند الصوفية: "ومن أعجب الأشياء في هذه الطريقة ولا يوجد إلا فيها أنه ما من طائفة تحمل علما من المنطقيين والنحاة وأهل الهندسة والحساب والتعليم والمتكلمين والفلاسفة إلا ولهم اصطلاح لا يعلمه الدخيل فيهم إلا بتوقيف من الشيخ أو من أهله لا بد من ذلك إلا أهل هذه الطريقة خاصة إذا دخلها المريد الصادق وبهذا يعرف صدقه عندهم وما عنده خبر بما اصطلحوا عليه، فإذا فتح الله له عين فهمه وأخذ عن ربه في أول ذوقه وما يكون عنده خبر بما اصطلحوا عليه ولم يعلم أن قوما من أهل الله اصطلحوا على ألفاظ مخصوصة. فإذا قعد معهم وتكلموا باصطلاحهم على تلك الألفاظ التي لا يعرفها سواهم أو من أخذها عنهم فهم هذا المريد الصادق جميع ما يتكلمون به حتى كأنه الواضع لذلك الاصطلاح ويشاركهم في الكلام بها معهم ولا يستغرب ذلك من نفسه بل يجد علم ذلك ضروريا لا يقدر على دفعه وكأنه ما زال يعلمه ولا يدري كيف حصل له، والدخيل من غير هذه الطائفة لا يجد ذلك إلا بموقف، فهذا معنى الإشارة عند القوم ولا يتكلمون بها إلا عند حضور الغير أو في تآليفهم ومصنفاتهم لا غير، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل" .
ومن هنا فالخطاب الصوفي لا ينبغي الحكم على مصطلحاته إلا بإدراك معناه، وإدراكه لا يتم إلا بالذوق والحال وتبدل الصفات كما عبر الغزالي في المنقذ من الضلال. وهذا لا يتحقق إلا بمزاولة الميدان والدخول في الممارسة، وقد يكون من الخطأ البين التسرع في إصدار الأحكام على مجرد ما يتبادر إلى الذهن من المفاهيم اللغوية العادية وربما العامية، لأن الميدان للخصوص لا لأهل استراق النصوص. كما أن مصطلح التصوف جملة فيما ذهب إليه السهروردي هو لغة وصف به المقربون ومن ثم فله خاصيته الجمالية في الباعث والغاية، شأنه شأن الأسماء التي يتسمى بها الناس إما على سبيل التفاؤل والتجمل وإما على سبيل ما يصدر عنهم من سلوك وأخلاق، فإن كانت محمودة كان الوصف بحسب المناسبة وإن كان العكس فهو كذلك أيضا، ولهذا فلا مشاحة في الاصطلاح ولا بدعة فيه مما يذهب إلى ذلك المتسلفة المتزمتون في دعواهم أن مصطلح التصوف بدعة وكل بدعة ضلالة! وهذا الإسقاط مظهر من مظاهر البطالة الفكرية لديهم، إذ بحسب منطقهم الجامد أن كل اسم سمينا به شخصا أو علما مكتشفا لم يتسم به الصحابة ولم يحددوا مصطلحه مثلا فيكون بدعة، ومن ثم فالعالم الإسلامي كله أو جله بأسماء أشخاصه وعلومه ومدارسه سيكون بدعة، وهذا مسلك بطالي في الاعتراض والمناقشة لا يستحق الاسترسال في الرد أو التصحيح، بل يرد عليه ببساطة وهو إذا قلتم بأن التصوف أو الصوفية بدعة، فالسلفية بهذا التصريف أكثر بدعة لأنها لا تدل على معنى أخلاقي ولا علمي وإنما هي وصف لما مضى يشترك فيه الصالح والطالح وتقابله الخلفية بنفس المعنى حتى يخصص أو يعرف بالإضافة.
وحيث أن مصطلح الصوفي يعني المقرب فإنه يتميز بمعاني دقيقة عن مصطلح المتصوف الذي يخلط الكثير من الفقهاء المتكلمين وكذا الباحثين المعاصرين بينهما، وبالتالي تضيع الحقيقة الصوفية في هذا التداخل ولو بغير قصد سيء، وتنسب أشياء إلى هذا الفريق هي في الأصل للآخر وهكذا....
ولإزالة هذا الالتباس أيضا يذهب السهروردي إلى تقسيم الأشخاص المتعاملين مع التصوف إلى ثلاثة طوائف، الأولى: الصوفية، الثانية: المتصوفة، الثالثة: المتشبهة بالمتصوفة، "فالمتشبه صاحب إيمان، والمتصوف صاحب علم، لأنه بعد الإيمان اكتسب مزيد علم بطريقهم وصار له من ذلك مواجيد يستدل بها على سائرها، والصوفي صاحب ذوق، فللمتصوف الصادق نصيب من حال الصوفي، وللمتشبه نصيب من حال المتصوف وهكذا سنة الله تعالى جارية أن كل صاحب حال له ذوق فيه لا بد أن يكشف له علم بحال أعلى مما هو فيه، فيكون في الحال الأول صاحب ذوق وفي الحال الذي كوشف به صاحب علم وبحال فوق ذلك صاحب إيمان حتى لا يزال طريق الطلب مسلوكا، فيكون في حال الذوق صاحب قدم وفي حال العلم صاحب نظر وفي حال فوق ذلك صاحب إيمان... فالصوفي في مقار الروح صاحب مشاهدة، والمتصوف في مقار القلب صاحب مراقبة، والمتشبه في مقاومة النفس صاحب مجاهدة وصاحب محاسبة، فتلوين الصوفي بوجود قلبه وتلوين المتصوف بوجود نفسه والمتشبه لا تلوين له لأن التلوين لأرباب الأحوال، والمتشبه مجتهد سالك لم يصل بعد إلى الأحوال، والكل تجمعهم دائرة الاصطفاء" .
2- وبحسب هذا التقسيم فإن المراتب من حيث تعرضها للبطالة الفكرية ومستوياتها قد تتفاوت وتنعدم لدى فئة دون أخرى، إذ الصوفي في مقامه ومسلكه قد استراح من مشكلة البطالة الفكرية والأخلاقية وأصبح في مقام القرب الذي ناله بعدما اجتاز مراحل المتشبه والمتصوف، ولم يعد تشغله ذاته عن ذات الله وصفاته وأفعاله في فناء روحي وحضور كلي في بحر التوحيد، ومن ثم فقد أصبح هو المرشد والمربي والشيخ والأستاذ سواء فيما يتعلق بنفسه أو بخاصة مريديه أو بالمجتمع ككل بأسلوب مباشر أو غير مباشر!
لكن احتمال النقد والبطالة الفكرية يبقى مطروحا ومعرضا لها أصحاب مقام المتصوف والمتشبه به إضافة إلى فئة دخيلة على الميدان ككل وقد نصطلح عليها بالمتمصوفة لها خاصيتها السلبية المحضة على عكس الأقسام الأخرى التي كلها إيجابية في منهجها وتطبيقاتها وغاياتها، بحيث أنه لا ينطبق شيء من وصفه سواء على المتشبه أو المتصوف والصوفي، وذلك لأن بناءه النفسي والأخلاقي وكذا الفكري قد تأسس منذ البداية على شفا جرف هار، والنوايا فيه غير صادقة لا في التشبه ولا في التعرف لأهل التصوف.
فالصوفية قد أدركوا مبكرا هذا التداخل الذي يمكن أن يحصل حول مصطلح التصوف والصوفي، وبالتالي بادروا إلى تحديده كما رأينا وعدوا إلى تخصيص نقد مباشر لبعض الظواهر الشاذة والمشينة التي بدأت تتسرب إلى الطرق الصوفية الرصينة أو بعابرة أخرى بدأت تحاكيها في بعض إجراءاتها وأشكالها ومصطلحاتها استراقا بينما تختلف عنها كل الاختلاف في عمق منهجها وسلوكها وغايتها.
وهذه الانتقادات تتفاوت بدورها ما بين النقد التنبيهي لتصحيح المسار والنقد التحذيري من تقليد المحتالين والأشرار. فالغزالي خصص حيزا مهما لهذا النقد بشقيه التنبيهي والتحذيري وإن كان الغالب فيه هو النوع الثاني إذ سيذكر الصنف الرابع من المغرورين ويصطلح عليهم بالمتصوفة المغرورين قائلا "وما أغلب الغرور على هؤلاء، وما المتصوفة من أهل هذا الزمان إلا من عصمه الله اغتروا بالزي والمنطق والهيئة فشابهوا الصادقين من الصوفية في زيهم وهيئتهم وألفاظهم وآدابهم ومراسمهم واصطلاحاتهم وأحوالهم الظاهرة في السماع والرقص والطهارة والصلاة والجلوس على السجادة مع إطراق الرأس وإدخاله في الجيب كالمتفكر مع تنفيس الصعداء وفي خفظ الصوت في الحديث وفي الصياح إلى غير ذلك، فلما تعلموا ذلك ظنوا أن ذلك ينجيهم فلم يتعبوا أنفسهم قط بالمجاهدة والرياضة والمراقبة للقلب وتطهير الباطن والظاهر من الآثام الجلية والخفية وكل ذلك من منازل التصوف، ثم إنهم يتكالبون على الحرام والشبهات وأموال السلاطين ويتنافسون في الرغيف والفلس والحبة ويتحاسدون على النقير والقطمير ويمزق بعضهم أعراض بعض مهما خالفه في شيء من غرضه.
فهؤلاء غرورهم ظاهر، فمثلهم كمثل عجوز سمعت أن الشجعان والأبطال والمقاتلين تثبت أسماؤهم في الديوان فتزيت بزيهم فقيل لها أما تستحيي في استهزائك بالملك اطرحوها حول الفيل فطرحت حول الفيل فركضها حتى قتلها" . ويقول عن فرقة أخرى بأنها "ادعت علم المعرفة ومشاهدة الحق ومجاورة المقامات والأحوال والملازمة في عين الشهود والوصول إلى القرب، ولا يعرف هذه الأمور إلا بالأسامي والألفاظ لأنها تلقف من ألفاظ الطامات كلمات فهو يرددها ويظن أن ذلك أعلى من علم الأولين والآخرين، فهو ينظر إلى الفقهاء والمفسرين والمحدثين وأصناف العلماء بعين الازدراء فضلا عن العوام، حتى إن الفلاح ليترك فلاحته والحائك يترك حياكته ويلازمهم أياما معدودة ويتلقف منهم تلك الكلمات المزيفة فيرددها كأنه يتكلم عن الوحي ويخبر عن سر الأسرار ويستحقر بذلك جميع العباد والعلماء، فيقول في العباد إنهم أجراء متعبون، ويقول في العلماء إنهم بالحديث عن الله محجوبون، ويدعي لنفسه انه الواصل إلى الحق وأنه من المقربين، وهو عند الله من الفجار المنافقين وعند أرباب القلوب من الحمقى الجاهلين، لم يحكم قط علما ولم يهذب خلقا ولم يرتب عملا ولم يراقب قلبا سوى اتباع الهوى وتلقف الهذيان وحفظه" .
3- وهذه النماذج الشاذة والمنحرفة هي التي يمكن أن نصطلح على أصحابها بالمتمصوفة وعلى مسلكهم بالتمصوف، إذ يمثله نوع من المتطفلين والمتحايلين المزيفين على بعض الطرق التي قد تسمى صوفية بحسب المظهر خطأ، بينما يكون هدفها هو الإساءة إلى التصوف واستغلال الميل الروحي والتعاطف الاجتماعي مع الأولياء والصالحين لتحقيق غاية غير شريفة وهادفة، وبالتالي فإن المتزعمين لهذا الأسلوب هم الذين يصطلح عليهم بالمقابل والمناسبة الصرفية بالمتمشيخة كما عبر عنهم الشعراني في التمييز بينهم وبين الصوفية والمتصوفة الصادقين "ومن آدابهم –أي الصوفية- البعد عن مواطن التهم، وليس من طريقهم مؤاخاة النسوان والأحداث ولا مكالمتهم لغير ضرورة وما قال بإباحة النظر إلى المستحسنات التي نهى الشارع عنها إلا قوم فجار خرجوا عن الطريق ولبسوا على العامة بلبس الزي حتى ظن من لا معرفة له بميزان الشريعة أنهم من الأولياء مع أنهم أفسق الفاسقين... وهم على جانب عظيم من الكسل والفتور عن الخير، وكل من رأى زيهم الذي لبسوه وتقصير ثيابهم وحف شواربهم وتصغير عمائمهم وإرخاء عذبتهم تمشيخا لا اتباعا للسنة اعتقدهم ظاهرا" .
وهذا النوع من التمشيخ قد حذر منه في بداية الجزء الأول من كتاب "الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية" حيث عبر بمرارة وأسى عن الواقع الذي آل إليه الميدان الصوفي في نظر الجمهور وتصوره من خلال تصرفات هؤلاء المتمشيخة قائلا: "وكان من الباعث لي على تأليف هذه الرسالة طلب النصح لنفسي ولإخواني حيث تحلسنا بحلاس الأشياخ ومشينا على مراسمهم الظاهرة، وظن كل واحد منا نفسه أنه صار من أشياخ الطريق فوضعت هذه الرسالة كالميزان الذي يوزن بها المحق والمبطل، فمن وافق حاله ما فيها فليحمد الله، وإلا فليستغفر الله من دعاويه الكاذبة".
وقد بلغنا أن الذئب الذي اتهم بأنه أكل يوسف عليه الصلاة والسلام كان من حلفه أنه قال: "وألا أكون من مشايخ القرن العاشر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما أكلت يوسف؟!" فكيف يصح لأحد منا دعوى الطريق وهو في النصف الثاني من القرن العاشر الذي استعاذ الذئب أن يكون واحدا من أشباهنا فيها!؟"
فإذا كان الشعراني قد حذر من تفاقم ظاهرة التمشيخ أو التمصوف وخطورتها في القرن العاشر فما بالك الحديث عن القرن الخامس عشر الهجري والواحد والعشرين ميلادي بحيث أن الوضع سيكون أدهى وأمر، خاصة أمام هذا الطوفان من الانحلال الخلقي وتطور أساليب التزوير وتقدم الإعلام في تزيين الصور وتلفيقها، بحيث قد بدأ تفشي هذه الظاهرة في مرحلة الاختلال السياسي والاجتماعي للأمة قبيل مرحلة الاستعمار وفي بدايات القرن العشرين وخاصة عند انحدار الخلافة العثمانية وظهور ما يعرف بالدراويش وغيرهم، وبالتالي تفشي الجهل والقلق والانحلال الخلقي في العالم الإسلامي إلا من رحم الله تعالى، وذلك بسبب غياب العلماء والصلحاء والأولياء عن الحضور الفعال في توجيه المجتمع وتأطيره، حتى طغت الخرافات والشعبذات وأنواع من الدجل والألعاب البهلوانية والسحرية على الساحة العامة تحت زعم أنها من الكرامات وأنها مما ينبغي التسليم لأصحابها، مستغلين في ذلك عطف وميل الجمهور إلى الاعتقاد في الصلحاء والأولياء وبالتالي اختلط الذهب الخالص بالبهرج والمزيف، مما حدا بالمتشددين والمتربصين من زعماء الحنابلة المتسلفين في ثوبهم الأكثر خطورة وهو الوهابية النجدية المحدثة إلى استغلال ظاهرة التسيب في النسبة إلى التصوف والصوفية بغير مراقبة من طرف المتصوفة لاتخاذها ذريعة لفرض مخططها في سحق وقبر الحياة الوجدانية والروحية للأمة، بدعوى محاربة البدع ومنع التوسل والاجتماع على ذكر الله تعالى جهرا وجماعة وتلقينا، وذلك تحت مبرر الدعوة إلى التوحيد بالمفهوم المتسلف الجامد والأقرب إلى التجسيم والتشبيه عبارة ولفظا منه إلى التنزيه والتقديس. كما قد يبدو في كثير من تصريحاتهم وتفسيراتهم للعقيدة، وحسب ما استخلصه كثير من علماء ومفكري الأمة المعتدلين والمنفتحين في فكرهم ورؤيتهم النقدية والتحليلية.

حلم العرب
08-13-2008, 10:28 PM
ب‌)مظاهر التمصوف وتنوع أشكاله:
ومن هنا أصبح التمصوف ذا ألوان متنوعة لا تحصى في أساليبها وطرق استغلالها لميدان التصوف وميل الناس إلى تعظيم واحترام أهله. كما يقول الغزالي رحمه الله تعالى: "وأنواع الغرور في طريق السلوك إلى الله لا تحصى في مجلدات ولا تستقصى إلا بعد شرح جميع العلوم الخفية وذلك مما لا رخصة في ذكره، وقد يجوز إظهارها حتى لا يقع الغرور" . بحيث أن المتمصوف لا يجد عناء في كسب ثقة العامة حينما يريد أن يلبس عليهم أمره أو أمر الضريح أو القبر الذي يتخذه وسيلة لغايته، وذلك بمجرد دعواه أن صاحب هذا القبر كان وليا صالحا تجد الناس يقصدونه بالزيارة والتبرك حسب نواياهم وبواعثهم، وهذا عمل حسن ومقبول منهم إن بقي على سبيل التذكر والتفكر والاعتبار، لكن الأمر قد لا يبقى عند هذا الحد وإنما المشكلة تكمن في المحيطين بالقبر أو الضريح المقصود بالزيارة، إذ هناك يجد المتمصوفة فرصتهم لبث الخرافات والأكاذيب من باب ادعاء الكرامات المبالغ فيها لاستغلال المشاعر الطيبة للجمهور الزائر وبالتالي العمل على ابتزاز أمواله بشتى الوسائل ولو بالتسول في باب التوسل على سبيل ادعاء القدرة على التطبيب والعلاج من الأمراض الروحانية أو الصرع أو قراءة الغيب بالفأل المنظوم والمزيف، وما إلى ذلك مما قد يفتعله المتمصوفة من خلال التمويه بدعوات وتمتمات محفوظة توهم العامي الغمر بنوع من المعرفة والخصوصية، بينما الأمر ليس سوى تحايل وتغرير من أجل الابتزاز المالي والنفسي، وربما الاستدراج الجنسي في كثير من خلوات الأضرحة والأماكن المسماة غلطا وزعما بالزوايا، حيث لا تجد مراقبة رسمية ولا علمية أو وعيا اجتماعيا بخطورة هذا الابتزاز والتغرير عند سكان هذه المنطقة أو تلك، وهذا ما يشيع كثيرا في عدة أماكن وخاصة عند خلوات نائية غير مقصودة بكثافة!
كما قد نلاحظ ظاهرة التسول الفاحش عند هذه الأضرحة وتكريسه سواء من طرف القيمين على صيانتها أو السكان المجاورين لها، حتى أصبحت هذه الصفة كأنها من لوازم كل من ينتسب إلى ولي صالح، وهو ما يسيء إلى الصوفية كثيرا في ربط هذه الظواهر بهم رغم أنها تناقض سلوكهم وأخلاقهم مبدأ وغاية وعلى رأسها الزهد والورع والكفاف والعفاف، لكن الجمهور الغمر وماكري المتمصوفة هم الذين ساهموا في تشويه هذه الصورة، إضافة إلى تكريس السلطات وتشجيعها لهذه الممارسات، إما بحمايتها وغض الطرف عنها، وإما بدعمها ماليا على سبيل نثر الحب للالتقاط وجس النبض، مع علمهم بأن هؤلاء المتمصوفة لا قيمة لهم دينيا ولا أخلاقيا ولا علميا، ولكن من باب تمرير الهدف السياسي لترويض وتهجين الجماهير حتى يتحقق الاستقرار والانصراف للاشتغال بما لا يدع مجالا للإلحاح في المطالبة بالحقوق والواجبات والإصلاحات العامة والمهمة، وبالتالي تكريس التسليم لمن لا يستحقه من الأحياء والأموات كمهدئ بارد وقاتل!
1- ومن هنا تغير مفهوم الزاوية لدى العامة وحتى أشباه العلماء وأصبح في منظورهم عبارة عن مقبرة مسقفة تحتوي عدة قبور يأتيها الناس لاستدرار الحياة من الأموات ليس إلا، إذ أصبح المخيال الشعبي لا يفصل الزاوية عن المقبرة، بل اصبحت هذه الأخيرة هي أهم خصائصها والمميزة لها، ومن ثم وجد المتسلفة الوهابيون الفرصة سانحة لوصف الصوفية بالقبوريين، فكان التطرف مقابل التطرف وضاعت بينهما الحقيقة!
إذ الزاوية في الأصل ليست سوى بيت من بيوت الله تعالى يمارس فيها الذكر المتواصل مع الرغبة في التزكية والتربية وتحصيل الطهارة الظاهرية والباطنية، كما نجده في قول الله تعالى: "في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها إسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار، ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله، والله يرزق من يشاء بغير حساب"
فتغير مفهوم الزاوية ودورها الروحي وأصالتها الدينية إلى مجمع فلكلوري أو مجال للشعبذة هو الذي أصبح يغلب على أذهان العامة وحتى أشباه العلماء الذين يعانون من بطالة فكرية وكسل عن البحث في حقائق الأشياء ودقائقها، ومن ثم تجند أصحاب المفهوم السليم والأصيل للزاوية ومؤسستها، فاستخرجوا ما كان مغفولا عنه اصطلاحا ومضمونا وذلك من أجل تصحيح المفاهيم وردع كل متطفل وواهم. بحيث نجد سيدي جمال نجل شيخنا سيدي حمزة القادري بودشيش شيخ الطريقة والزاوية الحالي يسير في هذا البحث من خلال أطروحته "مؤسسة الزاوية بالمغرب بين الأصالة والمعاصرة" إلى تصحيح مفهوم الزاوية ودورها الروحي والاجتماعي والتاريخي مع التنبيه على خطر تغير المفهوم الاصطلاحي ومضامينها عبر التقادم والتآكل التاريخي. نقتبس بعض فقرات تقرير مناقشته، يقول فيها كأول استنتاج: "ولئن جرى العرف الأكاديمي على أن يقدم الباحث في خاتمة عمله أهم النتائج التي توصل إليها فإن هذا العرف يجعلنا ملزمين مع الاعتراف بتقصيرنا بإبراز النتائج التالية:
1- تأكد لنا خطر الأطروحة التي روج لها بعض المستشرقين ورددها وتبناها بعض الكتاب المعاصرين، ومفادها أن لفظ "الزاوية" بدأ يحل تدريجيا محل الرباط في المصادر ابتداء من القرن السابع الهجري الموافق للقرن الثالث عشر الميلادي، ذلك لأننا عثرنا على ورود مصطلح "الزاوية" في مصدر عريق، ويعتبر من أمهات مصادر العلوم الإسلامية ألا وهو صحيح الإمام البخاري، حيث ورد فيه قوله في ترجمته لباب من أبواب كتاب الجمعة "باب من أين تؤتى الجمعة؟ وعلى من تجب؟ لقول الله عز وجل "إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة" وقال عطا: إذا كنت في قرية جامعة فنودي بالصلاة من يوم الجمعة فحق عليك أن تشهدها سمعت النداء أو لم تسمعه – وكان أنس رضي الله عنه في قصره أحيانا يجمع وهو بالزاوية على فرسخين" ومن المعلوم أن أنس بن مالك رضي الله عنه صحابي خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، وقد توفي سنة تسعين هجرية، وهو آخر صحابي مات بالبصرة. ولعل مما يزيد استخدام مصطلح "الزاوية" منذ فجر الاسلام تأكيدا ما نجده في كتب شراح صحيح البخاري، فمن ذلك ما قاله الإمام بدر الدين العيني في عمدة القاري: "الزاوية هو موضع ظاهر البصرة بينها وبين البصرة فرسخان" وقال الإمام ابن حجر في فتح الباري: "الزاوية موضع ظاهر البصرة معروف وهذا وصله ابن أبي شيبة من وجه آخر عن أنس أنه كان يشهد الجمعة من الزاوية وهي على فرسخين من البصرة" فهذا الاسم إن كان علما يدل على مكان معين يرجح أنه ارتبط بالاعتكاف على العبادة واشتق منها.
فمؤسسة الزاوية والتربية الصوفية متجذرة في البيئة الإسلامية لفظا ومعنى مصطلحا ومضمونا، وليست مستوردة ولا مستنبتة ولا مزروعة في كيان الأمة الإسلامية، بل إنها من أصالتها منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين" . فكان هذا استنباطا ممتازا وتنبها دقيقا وعميقا من سيدي جمال يبين عن مدى اصالة المفهوم الصوفي لديه معرفة وذوقا ومصطلحا ومؤسسة، إذ الزاوية القادرية البودشيشية تبقى شاهد عصر، ومؤكد ما قلناه عن مفهوم الصوفي والتصوف، ومفهوم الطريقة والزاوية في حلتها الأصيلة والراقية ودورها التربوي والتعليمي والاجتماعي والوطني، وقبل هذا وذاك التوحيدي الروحي.
2- وحينما تبرز طريقة أو زاوية اصيلة على يد شيخ محقق ومجدد قد يلجأ بعض البطاليين من رجال الفكر والسياسة عندما يشعرون بأن نجمهم آيل للأفول وبعد أن تمكنوا من استقطاب فئات من الجماهير على سبيل التزوير والتغرير إلى استعمال المتمصوفة الذين سبق وحددنا مواصفاتهم كوسيلة لمحاربة الصوفية الحقيقيين من المصلحين والمجددين في الأمة. وذلك بالعمل على تحريك الطرق الميتة، والنفخ الوهمي في أشباحها بالريح لا بالروح، وذلك لسلوك أسلوب المنافسة وإحياء الليالي المتتالية وإقامة الحفلات والمواسم لم تكن من قبل معهودة لديها، بل كانت قبلها جامدة وربما خاوية على عروشها لا يرتاد زواياها سوى العجزة والبطاليين والفاشلين وأيضا المعتوهين والمهوسين والممسوسين، اللهم إلا ما قد نجده من بعض الطرق التاريخية الكبرى التي ربما ظلت في بعض جوانبها تحافظ نوعا ما على شيء من الانضباط الشرعي ظاهريا على أكثر تقدير، أما من الجانب الروحي والترقي واعتبار المراحل والأحوال والمقامات فهذا مناله بعيد وبعيد جدا!
ومما زاد هذا النوع من التمصوف تجذرا وتكريسا في المجتمع الآيل للانحلال والانحراف هو ما تقوم به وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية ووزارة الثقافة من إبراز مظاهره على شكل ما يسمى بالتراث الشعبي مع إضافة كلمة صوفي أو روحي إليه، وما يصاحبه من أعمال بهلوانية وحركات فلكلورية بل تفسيرات خرافية ووهمية للحركة الروحية عند الصوفية، بحيث أصبحت تعرض وكأنها عبارة عن فلكلور أو رياضة بدنية وطقوس شعبية ذات اعتماد مبدئي على إيقاعات موسيقية تساهم في تحصيل الاضطراب البدني ذي الخلفية العصبية والمكبوتات النفسية، حتى وجدنا عروضا من هذا القبيل يشارك فيها تائهون غربيون جاؤوا يبحثون عن التصوف الحقيقي الذي قرأوا عنه في الكتب فإذا بهم يقعون فريسة هذا النوع من المتمصوفة الذين زادوهم في تيههم وحولوهم عن قصدهم. وبالتالي صدروا معنى التصوف محرفا وشاذا من خلال ما رأوا أو مارسوه إما بسذاجة أو مكر استشراقي، هدفه القيام بدراسة الأنماط الاجتماعية والسلوكية والعقدية الطائفية الحاصلة في الأمة، ووضع اليد على مواطن الضعف فيها حتى يتسربوا إليها من بابها ويغرروا بها بأساليبهم المعهودة في المكر والخداع الثقافي!
فقد رأينا في بعض برامج التلفزة المغربية للقناة الأولى صورا مخجلة من هذا القبيل كمثال المرأة الأوربية المسنة التي ادعت أنها وجدت نفسها في طقوس وحركات منبنية على الرقص المفتعل والمنظم مع اختلاط بالرجال وإيقاعات موسيقية في بعض التجمعات المسماة غلطا بالزوايا أو التكايا والتي قد تنسب خطأ إلى التصوف، لكنها أبعد منه بعد المشرقين والمغربين!
وهذا العرض وغيره من العروض كأصحاب السواطير والأباريق المشروبة من الماء المغلي والصخب الموسيقي المزعج وغير ذلك مما لا علاقة له بالعبادة من قريب أو بعيد يكون الهدف منه إساءة نظرة الجمهور للتصوف كعلم إسلامي جوهري في درجة الإحسان، وبالتالي صرفهم عن سلوك طريق الحق والصلاح نظرا لما يعهدونه من خروقات ومفاسد قد تصبح لديهم من العوائد والأعراف الشعبية التي قد يلزقونها ظلما وعدوانا بالصالحين الذين كان همهم هو إصلاح ذاتهم وغيرهم والعزوف عن شهوات الدنيا ومفاتنها واجتناب أماكن الشبهات والمحرمات.
ج) سلبيات التمشيخ عند الطرقية التقليدية:
1- فإذا كانت هذه المظاهر الشاذة صادرة عن العوام ومن ليس لهم بالتصوف عمق وحسن إلمام، فإنه يوجد جهل مركب عند ورثة كثير من الزوايا التاريخية قد يوقعهم في خطأ مقصود وغير مقصود، وذلك حينما يتشبثون ببرنامج شيخهم المتوفى منذ قرون ويصبح هو المرجعية الرئيسية أو الوحيدة في مجال التصوف والتلقين الروحي، وهذه هي الكارثة العظمى التي ابتلي بها التصوف في مجاله الحي والمتجدد، وهي بمثابة وقوف المتسلفة في تسلفهم عند شيخهم ابن تيمية أو ابن قيم الجوزية، ومن هنا يحتكر التصوف كما احتكر التسلف وبذلك ضاعت الحقيقة بين هؤلاء وأولئك الجمداء من كلا الطرفين، وانساقا معا نحو تقليد القديد كما سبق وعبرنا عند المتسلفة بحيث قد يصبح المتمشيخ ملقنا للأذكار وتوزيع الأدوار بغير علم أو ذوق كما ذكر السهروردي عن خصوصية الصوفي، والمريدون إما أن يلتزموا حرفيا بما كان قد لقنهم الشيخ الحقيقي المؤسس للطريقة في الماضي القريب أو البعيد وهذا قد لا يضر العمل به إن اقتصر في حدود ضيقة، وإما أن يأخذ المتمشيخ التقليدي في الاجتهاد الأعمى لتلقين الأذكار بغير فقهه، وربما توهيم المريدين بقدرته على الفراسة والكشف والادلاء بالكرامات بغير علم أو استحقاق، وهذا هو الخطر المحدق بالمتمشيخ والمريد المغرر به في نفس الوقت مما قد يؤدي في النهاية إلى السقوط في وساوس وأوهام وربما اختلاط وخبط روحاني غير روحي، لا يستطيع علاجه الطبيب النفساني أو العصبي وغيره.
إذ الأذكار لها فقهها الخاص الذي يدخل في أسرار العبادات النوافل بالتطوع والاختيار بالإذن الإلهي والنبوي والتسلسل التلقيني بالسند، ولها أنوارها ومناسبتها للذاكر وروحانيته وقلبه، وبالتحديد لدى من يريد السلوك الخاص في معرفة الله تعالى والترسيخ العلمي، أما الذكر العام فالأولى أن يقتصر فيه على المأثورات النبوية ذات الصبغة العامة ودون تقييد الخطاب بشخص معين أو ظرف خاص وحالة منفردة، فتكون تلك الأذكار محددة ومرغبة في أوقات معينة وبصيغ محددة وذلك على سبيل التعبد من أجل نيل الجزاء الأخروي أو التسلح بها في أعمال دنيوية، كأدعية السفر والاستخارة والنوم والاستيقاظ وما إلى ذلك، وهذا ما يتفق عليه كل الصوفية المتخصصين في علم الأذكار وينبهون عليه حتى لا يستهان بموضوعه ويصبح التجرؤ سهلا على مجاله، فيصير الذكر عبارة عن ميدان غير مضبوط ولا مناسب، بحيث لا يلتزم بأية قاعدة فيه سوى اعتباره ذكرا من أجل الذكر، بغض النظر عن دلالته وصيغه، فيصبح الشخص متقلبا بين الصيغ والعبارات ولا يكاد يستقر أو يتعود لسانه على واحدة منها، أي لا يصير رطبا منها، وهذا هو ما يسعى إليه المتسلفة من جهة حينما يحاربون الصوفية في التزامهم الأوراد الخاصة والمستخرجة من الكتاب والسنة صيغة ومعنى بزعمهم أن تلك الأوراد بدعة، فيشتتون بذلك إرادة الذاكرين في السير على وثيرة منتظمة وبالتالي لا يتحصلون على رقي روحي ملموس ومحسوس بالشعور والوجدان والذوق والعرفان، وهذا ما أدى بالكثير إلى الاستهانة بالأذكار وعدم إعطائها من الأهمية والخصوصية التي أولاها إياها الشرع، وذلك حينما لا يتحصلون على الاطمئنان المنشود من الذكر ولا يجدون ذلك الخشوع المنصوص عليه والمتشوق إليه رغم ادعائهم انهم ذاكرون ولكن بتكلف وبغير فقه ماخوذ عن أهله وخاصته!
أما المتمصوفة فبجراءتهم على تلقين الأذكار بغير علم ولا ذوق يكونون قد وضعوا الأمور في غير مكانها المناسب، ويصبحون كمن وصف الدواء بغير تجربة أو بغير أهلية التطبيب، فلا يزيد المريض حينئذ سوى مغص وحيرة وذبول، وبذلك ينقلب التصوف إلى تمصوف والمريد إلى متمرد ويغيب الشيخ ويتصدر الميدان المتمشيخ!
ولقد نبه الغزالي إلى هذه النتيجة العكسية التي قد يصل إليها المتمصوف بغير علم أو توجيه روحي من طرف شيخ مربي عارف بالله في مزاولة الذكر بالانتقاء الذاتي حيث يقول عن هذه الحالة، وأصحابها فكم "منهم بقي في خيال واحد عشرة سنة إلى أن تخلص منه ولو كان قد أتقن العلوم أولا لتخلص منه على البديهة..."
كما يذكر فرقة من المتمصوفة رغم صدق نواياها بأنها "اشتغلت بالمجاهدة وتهذيب الأخلاق وتطهير النفس من عيوبها فصاروا يتعمقون فيها، فاتخذوا البحث عن عيوب النفس باستنباط دقيق الكلام في آفاتها، فيقولون هذا في النفس عيب والغفلة عن كونه عيبا عيب ويستعفون فيه بكلمات مسلسلة، فضيعوا في ذلك أوقاتهم لأنهم وقعوا مع أنفسهم ولم يتعلقوا بخالقهم.
ومثلهم من اشتغل بأوقات الحج وعوائقه ولم يسلك طريق الحج وذلك لا يغنيه عن الحج فهو مغرور"
وهذه الانزلاقات والاختلالات قد تحصل في حالة عدم صحبة شيخ مربي ومراجعته لكي يخلص المريد من هذه الورطات النفسية ويخرجه منها كمحلل نفسي وطبيب روحي ماهر ومختص، ولهذا كان من شرط التصوف –كما سبق وبينا موقف الغزالي- وسلامة سلوك المريد اعتماد هذا العنصر كأول ركيزة للشروع في السير كما يقول الشيخ محيي الدين بن عربي: "أول ما يجب على الداخل في هذه الطريقة الإلهية المشروعة طلب الأستاذ حتى يجده، وليعمل في هذه المدة التي يطلب فيها الأستاذ الأعمال التي أذكرها لها وهي أن يلزم نفسه تسعة أشياء، فإنها بسائط الأعداد فيكون له في التوحيد إذا عمل عليها قدم راسخة..."
2- إذن فالتصوف بمعناه العلمي والمدرسي الذوقي لا بد فيه من عنصر الشيخ الواصل الموصل، أي وجود السند الروحي في مجال المعرفة والتربية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الواسطة الرئيسية في تحصيل هذا العلم ألا وهو علم التوحيد الذوقي الشهودي والمؤسس على تصفية القلب والتحلي ثم التخلي والعروج في مقامات التجلي وتبدل الأحوال وصدق الأقوال كما يقول ابن عطاء الله السكندري عن الشيخ ووظيفته وشروطه "لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله" وأيضا فالشيخ ليس مجرد من سمعت منه "وإنما شيخك من أخذت عنه وليس شيخك من واجهتك عبارته، وإنما شيخك من أثرت فيك إشارته، وليس شيخك من دعاك إلى الباب، وإنما شيخك من رفع بينك وبينه الحجاب وليس شيخك من واجهك مقاله إنما شيخك من نهض بك حاله، شيخك هو الذي أخرجك من سجن الهوى ودخل بك على المولى" .
فالمريد الصادق كما يقول السهروردي: "إذا دخل تحت حكم الشيخ وصحبه وتأدب بآدابه يسري من باطن الشيخ حال إلى باطن المريد كسراج يقتبس من سراج، وكلام الشيخ يلقح باطن المريد ويكون مقال الشيخ مستودع نفائس الحال وينتقل الحال من الشيخ إلى المريد بواسطة الصحبة وسماع المقال"
وهذه الأحوال والاوصاف قد وجدناها ميدانيا وحقيقة في صحبة شيخنا سيدي حمزة القادري بودشيش رضي الله عنه وأطال عمره ذخرا لهذه الأمة ومقصدا للصادقين في طلب الطريق إلى الله تعالى على المنهج القويم، والحمد لله بدء وغاية، ومن أشرقت بدايته أشرقت نهايته...، ولقد قيل متى يصح تلقيب الشيخ بالأستاذ؟ فالجواب كما يقول الشعراني: إذا جمع هذه الثلاث خصال وهي: أن يكون عنده دين الأنبياء وتدبير الأطباء وسياسة الملوك..."
وهكذا يتبين أن الشيخ ليس هو المتمشيخ، كما أن الصوفي ليس هو المتمصوف أو حتى المتصوف على أعلى تقدير واعتبار تقريبي، ومن هنا فإن الطريقة التقليدية غير ذات جدوى في هذا الباب إذا لم تبحث بنفسها عن شيخ مؤهل للتربية حتى تحافظ على أصالتها في نسبتها الأولى للشيخ الذي تنتمي إليه تاريخيا أو تبركيا وشكليا، وإلا فإن ادعاء المشيخة بغير استحقاق يكون بمثابة نوع من الدجل والحيل لاكتساب الأتباع واستغلال طيبوبة الناس وتعلقهم بالشيوخ الحقيقيين الذين سمعوا بهم في التاريخ على سبيل التعظيم والتقدير، فيدخل عليهم من هذا الجانب وبالتالي تلعب بهم الألاعيب:
حتى إذا ما انجلى عنك الغبار ////// تبين هل فرس تحتك أم حمار.

حلم العرب
08-13-2008, 10:29 PM
3-ولقد كان الأولى بهؤلاء المتمشيخة حينما يقصدهم بعض طالبي الطريق لتحصيل السلوك أن يدلوهم على الشيخ الحقيقي الذي قد يسمعون بوجوده في زمانهم، إذ الشمس لا يحجبها الغربال أويعتذروا بأنهم غير مؤهلين للاستجابة لما يطلبه المريد القاصد، وبذلك يبرئون ذمتهم ويكونون قد نصحوا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، بحيث أن الطرق الصوفية جميعها يدرك أصحابها ويتحدثون بالقصة المشهورة عن أبي الحسن الشاذلي ورحلته في طلب الشيخ حيث لم يجرؤ أحد ممن لقيهم على الادعاء بأنه المؤهل لتحقيق ما يطلبه من مقصد أعلى والذي هو من اختصاص الشيخ المحقق أو قطب زمانه –كما يصطلح على ذلك الصوفية- وأيضا الشيخ المأذون والغوث وما على ذلك من اصطلاحات خاصة بعلم السلوك والتصوف، ومن ثم فقد دله الصادقون ممن لقيهم على أن الذي يطلبه قد تركه في بلده المغرب، وهو بلد الأولياء كما يعرف، حتى تم له اللقاء المشهور بالشيخ سيدي عبد السلام بن مشيش وحدث بينهما ذلك التواصل الروحي والذوقي الرفيع بحسب المناسبة بين الطالب والمطلوب والقاصد والمقصود.
إن ما قد يحصل لدى كثير من المتمصوفة في رفضهم التسليم بوجود الشيخ المحقق في زمانهم رغم إيقانهم أنهم ليسوا من أهل السلوك والتوصيل خاصة يكاد يشبه في موقفه الأخلاقي السلوكي –وليس العقدي طبعا- ما حدث لأهل الكتاب من اليهود والنصارى حينما بعث الله نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالدين الجديد الكامل المجدد والمثبت لنبوة الأولين والسابقين، إذ أنهم لم يريدوا أن يسلموا بنبوة ورسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رغم علمهم ويقينهم أنه نبي زمانه وآخر الرسل والأنبياء وخاتمهم عبر كل العصور والأزمان المستقبلية لكن حسدهم وتذرعهم بالوفاء لأنبيائهم كما يزعمون أدى بهم إلى نكران الحق والكفر به، ناسين أن تكذيبهم هذا هو بالضرورة تكذيب للأنبياء السابقين الذين يزعمون أنهم يتبعونهم ويصدقون بهم، لأنهم قد بشروهم بظهور النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سواء في التوراة أو الإنجيل.
ومن هنا فمجال التصوف كما سبق وبينا يحث شيوخه كلهم مريديهم على أنهم إذا وجدوا شيخا عارفا بالله ومأذونا في التربية وله مواصفات المشيخة الحقيقية على المستوى الروحي والسلوكي كما ذكر بعض مظاهرها، فليأخذوا عنه وليتركوا ما كانوا عليه من قبل في حياة شيخهم بعد أن توفي حتى يتسم سيرهم على وثيرة تصاعدية ولا يتعطل مسلكهم الروحي ويقعوا في بطالة أخلاقية وذوقية وفكرية معا، وبالتالي حتى لا تتعدد الطرق وتتصادم، لأن الأصل فيها واحد، وما تعددها إلا بتعدد أسماء الشيوخ المجددين فيها لا غير!.
لكن هذا الوعي قد افتقد بصورة خطيرة ومن ثم أصبح كل منتسب إلى طريقة إلا وهو متشبث بها تشبث الأعمى، يخاف من التجديد ويتقيد بالتقليد رغم أن التصوف لا يقبله مبدأ وغاية، كما سبق وبينا مرارا استنكار الشيوخ الكبار لتقليد القديد في مجال الروح والأذواق والبحر المديد إذ يمكن أن يقلد الفكر والسلوك والتعبير، لكن أن يقلد الشعور والوجدان والذوق والأحوال والعرفان فهذا من الهذيان وادعاء كاذب وتوهم في غير محله سرعان ما ينكشف زيفه ويجف مدده ويختفي طيفه.
فإذا اجتمعت دموع في خـدود تبين من كان يبكي ممن يتباكـى!
د) البطالة الفكرية في التمصوف الثقافي والشعبي:
1- إذا كان كثير من أصحاب الطرق التقليدية من لمتمصوفة قد وقعوا في هذا الخطأ وذلك لدوافع نفسية وأوهام ذاتية مسيطرة على عقولهم وسلوكهم بل على قراراتهم يزيد في بلة طينها تعلق الجمهور الجاهل والمغرور ولربما ضغط السلطة وإغراءاتها بالاستمرارية لغاية ما، فإن الأدهى من هذا هو ما يسلكه الكثير من المثقفين في زماننا من إظهار للنوازع العاطفية نحو التصوف والتصريح بالميل إليه دراسة وفكرا لغاية تنظيم الندوات واللقاءات وتخصيص محاضرات بشأنه قد يستدعى لها الباحثون من شتى أنحاء العالم، ربما يشترك فيها العرب والغربيون على مائدة واحدة تخصص لدراسة تراث شخصيات صوفية مشهورة في التاريخ كابن عربي الحاتمي مثلا أو مولاي عبد السلام بن مشيش وابي الحسن الشاذلي وسيدي أحمد بن عجيبة... إلخ
وقد يأتون في تلك الندوات بشتى ألوان الدراسات والتحليلات، وربما تبدو من البعض حماسات واندفاعات في التصدي لكل من ينتقد هذا أو ذاك، تحت غطاء التزام الفكر الصوفي ومناصرته لأهميته إلخ...، ولكن كل هذه الإجراءات قد تعتبر بمثابة سحابة صيف، أو كما يقول الشاعر:
وإذا ما خــلا الجبــان بـأرض طلـب الطعـن وحـده والـنزالا
لأنه حينما تتم الندوات وتصدر التوصيات مع ما يصرف في تحضيرها من أموال وما يهيأ لها من رجال وأعمال وإعلام وبهرجة سرعان ما تعود حليمة إلى عادتها القديمة، ويبقى التصوف حبرا على ورق, ومجرد رأي عابر وحدث أو طراز فكري موسمي (مُودَة) لا مدعاة لتحقيق أهدافه ومضامينه، وتصبح المسألة كما في قصة الجاحظ عن البخلاء عبارة عن كلام بكلام أما كلام مع عمل ومتابعة فهذا ما لا يرتجى أو يؤمل!
يقول الجاحظ عن بعض البخلاء حكاية: "فبينما هو يأكل في بعض المواضع إذ مر به رجل فسلم عليه فرد السلام. ثم قال: هلم عافاك الله! فلما نظر إلى الرجل قد انثنى راجعا، يريد أن يطفر الجدول أو يعدي النهر، قال له: مكانك، فإن العجلة من عمل الشيطان، فوقف الرجل، فأقبل عليه الخراساني وقال: تريد ماذا؟ قال: أريد أن أتغذى. قال: ولم ذاك؟ وكيف طمعت في هذا ومن أباح لك مالي؟ قال الرجل: أو ليس قد دعوتني؟ قال: ويلك، لو ظننت أنك هكذا أحمق ما رددت عليك السلام، الآيين (أي العادة) فيما نحن فيه أن تكون إذا كنت أنا الجالس وأنت المار أن تبدأ أنت فتسلم، فأقول أنا حينئذ مجيبا لك: وعليكم السلام، فإن كنت لا آكل شيئا سكت أنا وسكت أنت، ومضيت أنت وقعدت أنا على حالي، وإن كنت آكل فهاهنا آيين آخر، وهو أن ابدأ أنا فأقول: هلم، وتجيب أنت فتقول: هنيئا، فيكون كلام بكلام، فأما كلام بفعال وقول بأكل فهذا ليس من الإنصاف، وهذا يخرج علينا فضلا كبيرا..."
ومن هنا فحينما يطرح موضوع الشيخ الحي على مثل هؤلاء المتمصوفة المثقفين من باب الدعوة إلى الاستطلاع والتحقق الميداني تجدهم يتعللون بشتى المبررات والأسباب للتحلل من الاستجابة إلى هذه الدعوة وكأن هذا الشيخ يمثل بالنسبة إليهم هاجسا أمنيا، أو منافسا اقتصاديا وسياسيا وحتى ثقافيا، إذ أنه في الحقيقة يكون كاشفا واقعيا لأكاذيبهم التي يدعونها حول ميلهم إلى التصوف والدعوة إلى سلوك منهجه أو طريقته، ومن ثم فإن الأمر يصبح بالنسبة إليهم لا يعدو أن يكون إما مسايرة ثقافية ظرفية شأنها كوسائل الإعلام والأحداث الدولية والدعايات التجارية والفنية الاستهلاكية، أما كمبدأ وغاية فهذا هو المستبعد تماما اللهم إلا ما كان ويكون من بعض المثقفين الصادقين في مواقفهم ورؤاهم.
وإما أن يكون هذا التحرك الثقافي المتمصوف نابعا من الصلة التقليدية نسبا وبغير نسبة إلى بعض الطرق الصوفية التقليدية التبركية ذات الجذور التاريخية المحضة –أي أنها لا علاقة لها بالتحقيق والذوق والعرفان إلا من باب التشبه أو الترسم، وهذا محرك قوي وباعث غير سليم لدى البعض ممن يحملون نسب شيخ معين، فيسعون على سبيل الانتهازية والمنافسة غير الشريفة إلى التشويش على دعوة الشيخ الحي المحقق، من خلال المسارعة إلى تنظيم ندوات أو إقامة حفلات ومواسم لزاوية ما ويدعمونها بكاء على الأطلال واستدرارا للعطف والمال! يساهم في هذا رجال من أهل العلم المغمورين وأهل السلطة المغرورين أو المغرّرين سرعان ما تنطفئ شمعة هذا الوهج المصطنع لإحياء أهل القبور ثم يعود الظلام والسكون إلى حاله المغبور!
2- وإذا كان البعض من هؤلاء المتمصوفة لهم بريق وأمل في الاستفادة طبعا لغياب الاقتداء بالشيخ المحقق والممثل لمقام الصوفية كما سبق وعرفناه، فإنه يوجد نوع آخر من المتمصوفة لا يتوفرون على قاعدة نسب ولا نسبة، وإنما يختلقونها اختلاقا لإيهام السذج والمغفلين بوجود هذه المزية لديهم، وذلك بالادعاء أن لهم نسبا يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته، وكذلك ادعائهم أنهم ذوو نسبة صوفية إلى شيخ معين قد كان محققا في زمانه.
إذن فهنا مسالتان يلعب على أوتارهما ويتداخل أمرهما كتداخل اللبن والماء: الأولى وهي النسب المؤدي استدراجا إلى ادعاء الثانية وهي النسبة.
ولقد استغل العنصر الأول وما زال في التغرير بالنفس وبالغير وللتوهيم بالولاية والشرف والصلاح وما إلى ذلك، إذ كثير هم المهدويون الذين لعبوا على أوتار هذه القضية وغرروا بها جماهير عريضة من الأغمار والغوغاء بل حتى كثير من أشباه العلماء، وهذا ما أدى ويؤدي إلى بطالة فكرية وتوقف ذاتي جماعي عن إصدار النقد والملاحظة والتصحيح في حقهم، مما يعني الانقياد الأعمى لاصحاب الدعاوي بغير علم ولا فتوى سليمة وبالتالي تسيير المجتمع نحو وجهة غير صحيحة وواضحة!
وقد يكون أصحاب هذه الدعاوي النسبية ليس لهم أي صلة بالنسب النبوي وآل بيته، لكن اختلاق الألقاب وتراكمها عبر الأزمان والتغيرات الاجتماعية أدى إلى إمكانية تسريبها ضمن شجرة النسب الشريف بالادعاء واستغلالها في باب دعوى الصلاح والتصوف الذي قد يقترب بسبب هذه التشبثات من التشيع حسب المدعين والمعارضين في آن واحد.
لكن الصوفية في حقيقة أمرهم لا يشترطون هذه القاعدة حتى تكون هي المحددة الرئيسية لمصداقية أو مقام الشيخ، رغم اختلاف بعضهم حول هذا الشرط بالوجوب أو الاستحباب ورغم أن النسب الشريف له دور مهم وفعال في الحفاظ على الهوية، وترسيخ التشبث بالاقتداء والتأسي السليم بالنبي صلى الله عليه وسلم، إذ أن هناك نسبا روحيا يرتقي على كل الاعتبارات الجسدية أو الشبحية والنسلية ويتسامى إلى اعتبار الأبوة الروحية بالنسبة وصدق طلبها كوسيلة إلى تحصيل النسب الروحي الذي هو الأصل في الاتصال دنيويا وأخرويا وذلك بالاستناد إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "سلمان منا أهل البيت" وربطه تفسيرا بقول الله تعالى: "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا".
حيث يقول عن معناه محيي الدين بن عربي: "فلا يضاف إليهم إلا مطهر ولا بد فإن المضاف إليهم هو الذي يشبههم فما يضيفون لأنفسهم إلا من له حكم الطهارة والتقديس فهذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم لسلمان الفارسي بالطهارة والحفظ الإلهي والعصمة حيث قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم "سلمان منا أهل البيت" وشهد لهم بالتطهير وذهاب الرجس عنهم، وإذا كان لا يضاف إليهم إلا مطهر مقدس وحصلت له العناية الإلهية بمجرد الإضافة فما ظنك بأهل البيت في نفوسهم فهم المطهرون، بل هم عين الطهارة، فهذه الآية تدل على أن الله قد شرك أهل البيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى "ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تاخر" واي وسخ وقذر أقذر من الذنوب وأوسخ، فطهر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالمغفرة، فما هو ذنب بالنسبة إلينا لو وقع منه صلى الله عليه وسلم لكان ذنبا في الصورة لا في المعنى، لأن الذم لا يلحق به على ذلك من الله ولا منا شرعا، فلو كان حكمه حكم الذنب لصحبه ما يصحب الذنوب من المذمة ولم يصدق قوله: "ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا" فدخل الشرفاء أولاد فاطمة كلهم ومن هو من أهل البيت مثل سلمان الفارسي إلى يوم القيامة في حكم هذه الآية من الغفران، فهم المطهرون اختصاصا من الله وعناية بهم لشرف محمد صلى الله عليه وسلم وعناية الله به، ولا يظهر حكم هذا الشرف لأهل البيت إلا في الدار الآخرة فإنهم يحشرون مغفورا لهم، وأما في الدنيا فمن أتى منهم حدا أقيم عليه كالتائب إذا بلغ الحاكم أمره…"
فابن عربي من حيث نسبه وهو شيخ معترف به عند الصوفية حاتمي وطائي ينتهي إلى جده من الأنصار، وهذا التفسير منه قد يبدو فيه نوع إقناع بحسب ما فهمه من النص رغم أنه يبقى في حكم ذوقه الخاص للمسألة، ومع ذلك فإنه يحدد لنا مفهوم الشرف وأنه في النسب لا يكمل إلا بشرف النسبة، أي سلوك الطريق الموصل برسول الله صلى الله عليه وسلم روحيا حتى يتم التطهير ظاهريا وباطنيا، دنيويا وأخرويا، ومن هنا فليس كل شريف نسبا معناه أن يكون مربيا ومزكيا سلوكيا. وعلى العكس من ذلك فمن ليس بشريف نسبا لا يكون شيخا مربيا ومسلكا في الطريق الصوفي، إذ أن هذا الشرف الروحي هو الاساس عند الصوفية وبه تتم الوصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم والاستمداد من روحانيته في باب المعرفة والأذواق، ومن ثم فمصطلح الأبوة الروحية أو البنوة والأخوة يعتبر أهم الروابط النسبية في الطريقة الصوفية وعليها المعتمد، كما من خلالها يمكن لنا فهم قول الصحابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم "بابي أنت وأمي يا رسول الله" إذ أنه يقدم على الأبوة والأمومة الجسدية ويتخطاها في باب التسامي والارتقاء التواصلي.
3- ولقد وقف كثير من الشرفاء نسبا مع نسبهم متوهمين أن ذلك هو الكفيل الوحيد لكي يجعلهم متصدرين في مجال التربية الروحية والمشيخة والإمامة، وهذا غلط منهم وتواكل لا يليق بأهل البيت والشرفاء، بل هو توسيد الأمور إلى غير أهلها وتضييع للأمانة كما سبق وبينا، رغم أن النسب يمكن استعماله في باب العصبية والحكم، وهو ما يستغله الشيعة بكثرة ويركزون عليه لتحقيق أهدافهم السياسية. وهنا يختلف الصوفية عنهم ويتباين مفهوم الإمام لديهم عنهم، كما أنه من هنا يتسرب التمصوف ويقع الناس في المغالطات لأنهم مبدئيا يتوهمون أن الشريف نسبا قد لا يخطئ ولا يخادع ومن ثم لا يناقش، بينما هو إنسان كسائر الناس لا يميزه بشرف نسبه سوى شرف نسبته وسلوكه "أنا جد كل متقي ولو كان عبدا حبشيا" وهذا كلام كان يردده مرارا شيخنا سيدي حمزة القادري بودشيش حينما يطرح موضوع الشرفاء وإبدائهم التميز على غيرهم بالذات والأشباح، وهو كلام قد ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم رواية ومعنى كما نجد نظائر له ثابتة ومبينة هذا المبدأ والقاعدة العامة في التساوي الحكمي والسلوكي حينما أعطى لنا المثال ببنته فاطمة الزهراء عليها السلام "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" "يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت فإني لن أغني عنك من الله شيئا". وإذ قد امتثلت والتزمت بما أمرها به نبيها وأبوها وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها كانت أول أهل بيته لحوقا به في الجنة. فيما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة ابنته في شكواه الذي قبض فيه فسارها بشيء فبكت ثم دعاها فسارها فضحكت قالت: فسالتها عن ذلك فقالت: سارني النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرني انه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته أتبعه فضحكت" . ومع هذا الفضل فإن النسب يقف عند حدود الشرع ولا يتجاوزه بأي حال حينما يكون هناك نص ثابت في حق من الحقوق أو واجب من الواجبات كما يروى "عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن فاطمة عليها السلام أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم فيما افاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم تطلب صدقة النبي صلى الله عليه وسلم التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا فهو صدقة. إنما يأكل آل محمد من هذا المال يعني مال الله، وإني والله لا أغير شيئا من صدقات النبي صلى الله عليه وسلم كان عليها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولأعملن فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم..." الحديث وفي رواية أخرى مفصلة، أن السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام لما توفيت: "دفنها زوجها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا أحد معك كراهية لمحضر عمر، فقال عمر لا والله لا تدخل عليهم وحدك، فقال أبو بكر: وما عسيتهم أن يفعلوا بي، والله لآتينهم. فدخل عليهم أبو بكر فتشهد علي فقال: إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبا حتى فاضت عينا أبي بكر، فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فلم آل فيها عن الخير ولم أترك أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيها إلا صنعته، فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة، فلما صلى أبو بكر الظهر رقي المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه ثم استغفر وتشهد علي فعظم حق ابي بكر وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكارا للذي فضله الله به ولكنا كنا نرى لنا في هذا الأمر نصيبا، فاستبد علينا فوجدنا في أنفسنا، فسر بذلك المسلمون وقالوا: أصبت، وكان المسلمون إلى علي قريبا حين راجع الأمر بالمعروف" .
وهذا النص وحده فيه الكفاية والردود الحاسمة على دعاوي ومزاعم الشيعة وأيضا التحليلات الوهمية لكثير من الماديين والمتعلمنين حول الخلافة والخلاف حولها بين علي وأبي بكر رضي الله عنهما، كما يبين الاستحقاق الشرعي لها من طرف أبي بكر وإقرار علي له بذلك بعدما دخل عليه الاستحقاق النسبي القرابتي بظن الأولوية والتقدم فيها، ثم رجوعه بعد ذلك طواعية وتفكرا إلى الأمر الواقع، كاعتراف رسمي وعلني بأفضلية أبي بكر في توليه هذا المنصب، رغم أن النسب له دوره في دعمه وتقويته عصبية وتعلقا من طرف الجمهور كما تدل عليه هذه العبارة الدقيقة والملاحظة النفسية والاجتماعية الميدانية وهي: "وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته"
فالنسب مقدر ومحترم ولكن في حدود الشرع والالتزام به والوقوف عند أوامره ونواهيه، ومن ثم فكماله بكمال النسبة التي تعطي نسبا روحيا هو الأصل في قيمة النسب الجسدي والنسلي، ومن هنا كما يقول الشعراني حول أخذ الطريق والسلوك الصوفي بأن من شأن "المريد أن لا يقنع في طريق فقره بالآباء والجدود كما عليه أولاد غالبية المشايخ، بل يجب عليه أن يتخذ له شيخا يربيه، فليست المشيخة بالإرث إنما هي بالجد والاجتهاد.
وكان الرازي رحمه الله يقول: لا ينبغي للشيخ أن يبادر لأخذ العهد على أولاد المشايخ المتشيخين بالآباء والجدود إلا بعد امتحانهم في الصدق في طلب الطريق ودخولهم تحت أمره ونهيه، فإن غالبهم يرى نفسه أفضل من جميع المشايخ الظاهرين في عصره ممن ليس له سلف في المشيخة، بل سمعت بعضهم يقول: أنا لا أعتقد في أحد إلا إن كان أبوه في تابوت، فبلغ ذلك القول إلى شيخ ليس أبوه في تابوت فعمل لأبيه سترا وتابوتا، وهذا كله من خفة العقل، قال الرازي: وقد أخذت العهد على جماعة من أولاد المشايخ القانعين بالزي من غير علم ولا عمل فما نتج منهم أحد، وعلمت أن التعب معهم ضائع لا سيما أولاد شيخ الإنسان، فإن نفوسهم لا تكاد تنكبس أن يأخذوا الأدب عن أحد من مريدي والدهم أبدا ولو بلغ في الطريق أقصى الغاية، ويقولون إن هذا لم يكتسب الصلاح إلا من والدنا ونحن الأصل."
وعند هذا الدافع إلى التمصوف بدعوى النسب القريب أو البعيد لا ينبغي أن يقاس الملائكة بالحدادين كما يقول الغزالي، إذ هيهات الفرق بين أهل البيت المطهرين والمتطهرين والمتشبهين بالمتطهرين والمتوهمين التطهر، لأن الأولين قد جمعوا النسب والنسبة أو لهم نسبة بغير تحول إلى نسب لعارض نفسي، أما المتوهيمن التطهر فلا نسب ولا نسبة، وإنما الادعاء في الأولى والثانية مما يعني انقطاع السند الروحي والنسب لديهم في سلوك طريق التصوف رغم تقمصه وادعاء النسبة إليه، وهذا من أخطر مظاهر التمصوف الذي يلعب على أوتاره كثير من الدجاجلة والمشعبذين والمهدويين من الشيعة وأصحاب الأغراض الفانية والألاعيب السياسية وذوي الحيل في الابتزازات المالية والاستلابات النفسية والاجتماعية...