المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "الجهاد في الإسلام بين الحكم الشرعي والواقع النفسي"


حلم العرب
05-22-2008, 05:44 PM
أولا: مفهوم الجهاد وحدود وظيفته في الإسلام


http://file7.9q9q.net/img/28868123/clip_image002.gif (http://file7.9q9q.net/preview/28868123/clip_image002.gif.html)

1)الجهاد بين التعريف ومواطن التوظيف
الجهاد باختصار واختزال معناه لغة: بذل الجهد والتعب في مقاومة العدو أو الشيء المضاد لحركة الشخص وحريته،وهو يبتدئ من الشخص في نفسه وهذا يسمى جهاد النفس أو الجهاد الأكبر بالمصطلح الشرعي وينتقل إلى الغير حينما تتبين معاداته وتهديده للعقيدة وتطبيقاتها لصالح المجتمع وسعادته فيعرف بالجهاد الأصغر.
فجهاد النفس يقتضي تصحيح العقيدة أولا في ضمير الشخص وتنقية الباطن من أدران الشهوات والنزوات الغريزية والفجور الذاتي،وهذا هو لب الجهاد وغايته "ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه"و"الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا"الآية.
أما الجهاد الأصغر فهو المقاومة الجماعية لطغيان خارجي وحائل مشخص، يهدد الاستقرار العام للأمة ويحول دون طالبي النجاة من الوصول إلى منبع العقيدة والاغتراف من معينها مباشرة .
هذا الجهاد ليس بالضرورة أن يكون قتالا بالسيوف أو القنابل،وهنا نضع النقاط على الحروف في تحديد المفهوم الشامل للجهاد،إذ ليس كل جهاد قتال كما أنه ليس كل قتال جهاد،فالجهاد له مفهوم دعوي قبل كل شيء،كما أن الممارسين له يحتاجون إلى سعة كبيرة من الصبر والاحتساب لله تعالى متاعبهم وتحمل مناورات العدو،واستنفاذ كل الحلول الحائلة دون قتاله بالسلاح كما يدل عليه الحديث الشريف عن سهل بن سعد رضي الله عنه في غزوة خيبر:"قال علي رضي الله عنه:يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلانا،فقال عليه الصلاة والسلام:انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم،ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه،فوا الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم"رواه البخاري في كتاب المغازي.
هذا الحديث يحدد لنا الغاية والوظيفة الرئيسية المنوطة بالعملية الجهادية ،كما يبين المنهج الذي ينبغي سلوكه في ساحته.
2)الجهاد بين الانفعال وضبط الغاية

هذه الغاية إن تحققت فلا ينبغي تجاوزها ولو قيد أنملة،حتى بعد التعرض لإذاية العدو ونكايته بالمسلمين ابتداء،كما نجد في الحديث الموالي:"عن المقداد بن عمرو الكندي حليف بني زهرة وكان شهد بدرا أنه قال:يا رسول الله إن لقيت كافرا فاقتتلنا فضرب يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ بشجرة وقال: أسلمت لله،أأقتله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :لا تقتله ،قال :يا رسول الله بعد أن طرح إحدى يدي ثم قال ذلك بعدما قطعها أأقتله؟ قال:لا تقتله،فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال"رواه البخاري في كتاب الديات.
إنها أخلاق عالية جدا يعجز الشخص عن وصفها وتحليلها كما أنها تمثل الذروة في جهاد النفس وكبح نوازعها الانتقامية...دم يسال ويد تقطع ومعه عفو في عين مكان الانفعال والحمية والغضب،كل هذا يتم بمجرد استسلام الخصم وإعلان كلمة هي في صالحه ،ألا وهي إعلان الإسلام ولو بمجرد الظاهر.
فهل في المجتمعات البشرية وفي حروب العالم عبر التاريخ من شرع مثل هذا الحقن للدماء والوقوف عند المبادئ والضوابط ؟كلا إنه إجراء فريد و مشرِّعه بإذن الله تعالى وحيد التاريخ وجوهرته سيدنا محمد الرحمة المهداة ،فأنعم به من نبي ورسول ومجاهد وإنسان!

ثانياا:التخليص النفسي والعقدي لحقيقة الجهاد

1)الطاقة النفسية وتحديد النوايا في الجهاد

يقول الله تعالى "كتب عليكم القتال وهو كره لكم"الآية
يجمع العلماء على أن الجهاد فرض كفاية وهذا في حالة مجابهة العدو الخارجي،بينما تدخل مجاهدة النفس في حكم فرض عين كما يذهب البعض منهم لأن كل شخص له عدوه بجنبه كما يدل عيه الحديث"أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك" في حين قد يعفى النساء والأطفال من هذه الفريضة،ولم تسوغ الشريعة للطفل بأن يشارك في الجهاد إلا بعد بلوغه سنا معينة من التمييز والبلوغ مع التأكد من قدرته القتالية بإجراء مباراة في المصارعة أو غيرها كما ورد في السيرة النبوية وكما يروى "عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه".رواه البخاري في كتاب المغازي
فالجانب النفسي في الجهاد قد راعاه الشرع بشكل دقيق وأعطاه من الأهمية أكثر من جهاد العدو الخارجي،وذلك لأن الإنسان بطبيعته يكره القتال وتشمئز منه نفسه كيفما كان مستوى الخصم .
من هنا جاء الخطاب للضرب على أوتار الغريزة الإنسانية بإلزامها ما تكره حتى تقوى بها العزيمة وقوة الإرادة ومجاهدة النوازع الشريرة للنفس ومعها الوساوس الشيطانية،وذلك بتأسيس مبدأ التدافع والموازنة على أرض الواقع ؛من خلال ردع تجار الشر والفساد بشكل متضاد ومتناسب مع مستواهم، وذلك كما نفهمه من قول الله تعالى:
"وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ،إن الله لا يحب المعتدين" "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة" "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا".
إذن،هناك معادلة قائمة في الجهاد وهناك غاية مرجوة.
المعادلة هي الردع والموازنة بين قوى المسلمين ونمط جهادهم وبين قوى الكفار وترسخ عدائهم واستنفارهم الدائم لمداهمة المسلمين كلما تأتت لهم الفرصة و شعروا بضعف أو خلل في صفوفهم ،قد نراه جليا لا يحتاج إلى تحليل في عصرنا من خلال هذا الطغيان الأمريكي ومعه عملاؤه وحلفاؤه الصهاينة ومن شتى الدول غير الإسلامية.
أما الغاية فهي الحيلولة دون وقوع الفتن عند تداخل العقائد فيما بينها واختلاط الحق بالباطل في المجتمعات،إلى حد لم يعد البعض يميز بين الرجل والمرأة وبين الإنسان والحيوان أو بين الصلاح والفساد،ومن هنا فلن تعرف الإنسانية استقرارا أبدا طالما أن الجهل أصبح هو السائد وأن العقائد قد امتزجت بالمفاسد...
أما إذا كان الجهاد الجماعي والمسلح سيؤدي إلى فتنة أكبر مما عليه الحال والواقع فيكون الواجب على ولاة الأمور المسلمين التريث فيه وسلوك طرق أخرى للمجاهدة بغير قتال أو تأجيله إلى حين،وذلك بتطبيق الجهاد في الدعوة والحوار وعن طريق السلوك والمعاملة الحسنة،وكذلك بواسطة الاقتصاد والسياسة وأنواع عدة من التواصل المؤدي إلى اختراق المجتمعات المعادية للأمة قصد إصلاحها لا إهلاكها أو امتلاكها.
من هذه الكراهية سنجد أن الشريعة قد راعت الحالة النفسية بل ذهبت إلى حد صرف نزعتها نحو القتال لتفاديه بقدر الإمكان كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموه فاصبروا" ،كما أن هذا الصبر له حدوده ومستوياته التي تتطلبها المواجهة مع العدو وهو ما عبر عنه قول الله تعالى:"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت،ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا،ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به،واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين"سورة البقرة آية 286
في حين أن الدافع للجهاد والنية لا يحدده عمل المجاهد ولا استشهاده أو تفانيه في القتال ظاهريا ،وإنما الحقيقة كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم :"مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله كمثل الصائم القائم،وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة"رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير.
كما جاء الحديث الصريح والمحدد للغاية العليا من الجهاد:" عن أبي موسى رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟قال:من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"رواه البخاري كتاب الجهاد.
من هنا فلم يكن الجهاد في الإسلام مجرد نزوة أو نزعة إلى سفك الدماء أو إجراء فردي بدون ولاة أمور وإجماع أمة أو دولة لها كامل الأهلية للمواجهة وضبط الأحكام والالتزام بها وإنما كان وعيا وإدراكا للمسؤولية الجماعية وتقديرا لخطورة العدو ودراسة مكامن القوة والضعف فيه وكذلك واقعه النفسي والاقتصادي والاجتماعي وهكذا...
إذ مثلا قد كان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق أن يبادر بالهجوم على الأحزاب بدعوى الشجاعة والحمية وفك الحصار وما إلى ذلك كما يجريه بعض المتهورين في زماننا ممن يدعون تزعمهم للجهاد وتوهمهم أنهم أشجع من رسول الله وصحابته ،بينما الأمر لديهم مجرد انفعال ويأس ورمي في عماية لا غير كما سنبينه في حينه.
فلو أن النبي اتخذ مثل هذا الإجراء في غزوة الخندق وحاشاه أن يفعل! لكانت كارثة على المدينة وأهلها رغم وجوده فيها ورغم قدرته الروحية على أن يستدر النصر من الله تعالى دعاء وفي حينه.
لكن الأخذ بالأسباب وواقعية الإسلام الظاهرية مغلبة في الجهاد مصداقا لقول الله تعالى:"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم".
هذه الواقعية ذهبت بالرسول إلى حفر الخندق والتترس به لردع لعدوان إلى حين،حتى إذا انهزمت الأحزاب نفسيا وتشتت حلفهم بادر حينئذ بالكر عليهم كما في الحديث عن سلمان بن صرد قال:"سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول حين أجلى الأحزاب عنه،الآن نغزوهم ولا يغزوننا،نحن نسير إليهم"رواه البخاري كتاب المغازي
يا له من حكم وحكمة وروية ذات أبعاد إستراتيجية وعسكرية عز نظيرها في تاريخ الحروب،ذكاء وقراءة نفسية وسبر للعزائم والقوى!فهل مسلمو زماننا لهم وعي بسيرة نبيهم في باب الجهاد أم أن الجهل والغباوة والتسرع قد غلب على عامتهم وعلمائهم،حتى أصبح الجهاد شعارا وتدميرا ذاتيا لا تعلو به كلمة الله ولا تحقن به دماء المسلمين ولا الكفار على حد سواء؟!!! .

فضيلة الدكتور محمد بنعيش
كلية أصول الدين
بتطوان