المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البـطالـة الفكريـة في مجتمعنــا-د.محمد بنعيش


حلم العرب
05-20-2008, 09:52 PM
البـطالـة الفكريـة في مجتمعنــا

(الأسباب والانعكاسات)

الدكتور محمد بنيعيش

بسـم اللــــه الـرحـمن الرحيـم والصـلاة والسـلام على مـولانـا رسـول اللــه وآلــه وصحبــه.

مــقــدمــــة

من الممكن القول أن ممارسة النقد الذاتي تعد أهم قواعد الإصلاح في مجتمع ما، وبالتالي هي المؤسس للإقلاع السليم الذي تروم كل أمة إلى تحقيقه لمواكبة الركب الحضاري العالمي أو الإستشراف لتوجيهه نفسه بدل السعي إجهادا إلى مجرد تقليده أو مسايرته.

فالنقد الذاتي لا بد وأن يؤسس على علم، إذ الجهل لا يؤدي إلى نقد لأنه عين المنتقد، وإلا وقعنا في دوامة نقد النقد، ودرنا مع رحى تحصيل الحاصل وتسييل السائل، فيضعف حينئذ الطالب والمطلوب، ويتساوى الغالب والمغلوب والطبيب والمطبوب!

ولكي يستقيم هذا النقد ويكون منتجا وعلميا، فسيكون من الأجدر بنا أن نصبه على واقع العلم فينا، إذ هو الأصل في صلاحنا وتقدمنا، وبغيابه يوضع الجهل وتهدم الحضارات وتفشو الجهالات والانزلاقات في ظلمات لا تكاد تنتهي عند العد أو الحصر النظري والبصري.

والعلم نفسه ينبغي تحديد نوعه من جنسه، وإلا وقعنا في أزمة البناء على الهدم والتأسيس على التلبيس، ومن ثم فلا نكاد نخلص إلى نتيجة صحيحة، إلا أننا حاضرون غائبون، مفكرون بطالون، مصلحون مفسدون، موهوبون محرومون، مستقرون مضطربون!

كما أن السبر لأنواع العلم وأجزائه وتفريعاته لا يمكن تحقيقه ولا ضبطه، وإلا حكمنا على العلم بالنهاية وفتحنا المجال للجهل بغير دراية "وفوق كل ذي علم عليم" "وقل رب زدني علما" "ومن عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم" الحديث.

وهذا المعنى في التوسع العلمي وانفلاته عن الحصر المجالي قد تفطن له بعض العلماء من أمتنا، وأدركوه بالنص وملاحظة الواقع وبالذوق والبصائر، كما نجد مثلا أبا حامد الغزالي يقول عنه: "ظهر لنا بالبصيرة الواضحة التي لا يتمارى فيها أن في الإمكان والقوة أصنافا من العلوم بعد لم تخرج من الوجود وإن كان في قوة الآدمي الوصول إليها، وعلوم كانت قد خرجت إلى الوجود واندرست الآن، فلن يوجد في هذه الأعصار على بسيط الأرض من يعرفها، وعلوم أخر ليس في قوة البشر أصلا إدراكها والإحاطة بها ويحظى بها بعض الملائكة المقربين، فإن الإمكان في حق الآدمي محدود والإمكان في حق الملك محدود إلى غاية في الكمال بالإضافة، كما أنه في حق البهيمة محدود إلى غاية في النقصان وإنما الله سبحانه هو الذي لا يتناهى العلم في حقه، ويفارق علمنا علم الحق في شيئين: أحدهما انتفاء النهاية عنه، والآخر أن العلوم ليست في حقه بالقوة والإمكان الذي ينتظر خروجه بالوجود, بل هو بالوجود والحضور، فكل ممكن في حقه من الكمال فهو حاضر موجود" .

وحول هذا المد العلمي بالاتساع والتوقع في وعي الإنسان واستعداده نجد أيضا تفسيرا صوفيا دقيقا يمكن أن نصطلح عليه بعلم النفس العقدي، يقول فيه عبد الكريم الجيلي: "ألا تراك إذا فرضت مثلا كما تفرض للمحال أن ثمة حيا لا علم له أو عالما لا حياة له، كان ذلك الحي الذي لا علم له أو العالم الذي لا حياة له موجوداً في عالم فرضك وخيالك مخلوقا لربك، إذ الخيال بما فيه مخلوق لله تعالى، فوجد في العالم بواسطة الإنسان ما كان متخيلة في غيره.

واعلم أن العالم المحسوس فرع لعالم الخيال، إذ هو ملكوته فما وجد في الملكوت لا بد أن يظهر في الملك منه بقدر القوابل والوقت والحال ما يكون نسخة لذلك الموجود في الملكوت، وتحت الكلمات من الأسرار الألمعية مالا يمكن شرحه فلا تهملها فإنها مفاتيح للغيب الذي إن صح بيدك فتحت بها أقفال الوجود جميعه أعلاه وأسفله".

إذن فالعلم جوهري في وجود الإنسان وكينونته، وسلامة فكره وتحركه، وبه يقع التفاضل بين أبناء جنسه، والاعتناء به هو سعي في كماله، كما أن الافتقار منه انحطاط عن الهمة العلية به، ومن ثم كان لا بد من العودة إلى مؤسسته والابتداء بإصلاح مجاله، ليس من مستوى هياكل البناء والمدرجات واستحداث المسالك والوحدات على سبيل التركيم والتعقيد والزيادة في المساطر والمحاضر، ولكن من مستوى الأسس التكوينية في تطوير المناهج والتشكيل المناسب لمقتضى الألباب والجواهر، إذ أن وظيفة التعليم منها ما تكون ذات هدف رسمي وسياسي للدولة والمجتمع، فينبغي ضبط مناهجه واختيار أهله، ومنها ما تكون ذات غاية إصلاحية وتوجيهية لتكوين الفرد في مجاله العقدي الروحي والسلوكي وكذا العقلي الفكري والنظري، وذلك باعتباره إنسانا عالما وصالحا شاملا، وباعتباره كائنا راقيا ومكرما ينشد عزته في استكمال شخصيته من خلال التزامه بدينه الحق واستقامة سلوكه وفكره.

فالإنسان قد خلقه الله تعالى في أحسن تقويم ويتميز بطاقاته ومواهبه عن الحيوان العجم البهيم، ومن ثم فلا بد من تحديد انتمائه السليم، واختيار طريقته بالتفكير القويم الذي يضمن له حسن سلوكه ويعكس نشاطه على نفسه وعلى غيره، في إطار التضحية ونكران الذات ورفض الأنانية والاستكبار وتحقيق التعاون والتكاثف على مائدة من المودة والأخوة والحوار الفكري البناء والمتحرك.

وفي هذا الكتاب نحاول رصد مظاهر الركود الفكري في مجتمعنا الذي قد وصل في كثير من مجالاته إلى درجة البطالة الفكرية المحققة رغم تقدم وسائل الإعلام والثقافة ورغم توفر الأجهزة الالكترونية وأدوات الاتصال بكثافة، لأن الفكر الإنساني معناه التمييز بين الصحيح والفاسد، والصادق والكاذب، والتقليد والتجديد والحق والباطل!.

لا أن يأخذ صورة المستغل والمستهلك والمبذر والمستهتر، أو المزيف والمضلل، والمخادع والمخدر!

ومن هنا فقد ركزنا بالنقد الفكري الهادف إلى تحريك الهمم على المراكز والمؤسسات التكوينية في المجالات العقدية والسلوكية وكذا الفكرية التنظيرية بالمجتمع العربي الإسلامي عامة والمغربي خاصة، بحكم الملاحظة الميدانية القريبة والمعاينة، وذلك بتخصيص الانتقاد لأهل التدريس والتسييس بالمعنى الإداري والرسمي، ثم بعد ذلك نظرنا في دعوى أهل التسلف والتكلف في تقمص الاقتداء بالمشرع والنصوص المأثورة عنه، ومن هناك عرجنا على التمييز بين أهل التصوف والتمصوف ودعاوي الأذواق والأخلاق والوراثة الروحية للنبي صلى الله عليه وسلم، وأخيرا حاولنا كشف الغطاء عن أهل التفلسف وضحالة دعواهم في البرهان والتجديد مع توحلهم في لب التبعية والتقليد.

ومن هنا كان عنوان بحثنا هو، "البطالة الفكرية في مجتمعنا: الأسباب والانعكاسات" قسمته إلى فصلين وثلاثة مباحث.

خـــاتــمــة



إن الحديث عن البطالة الفكرية في مجتمعنا لا يكاد ينتهي عند الاستقراء والبحث المسترسل، لأنها بارزة ومعقدة في آن واحد كما أنها واضحة وضوح الشمس ومتشعبة في جل المرافق والأنماط الاجتماعية.

وحينما يطرح موضوع التغير الاجتماعي ومراحله فإنه لا بد من الأخذ بعين الاعتبار الجوانب الرئيسية المحددة والضابطة له، إما على سبيل الإيجاب وتحقيق التقدم الحضاري والسلوكي المنشود وإما على سبيل السلب والظهور بمظهر التبذير والرذيلة في مجالات لا تحتملها كالتعليم والسياسة والقضاء والصحة وما إلى ذلك مما تعتبر كاساسيات في تكوين وتأطير مجتمع ما!.

فليس التقدم والتحضر والازدهار معناه أن نظهر إعلاميا بصورة براقة ومزيفة أو مضخمة على شكل افلام هوليودية مخادعة، مع وجود فعلي لفقر مدقع ينقسم إلى درجات متفاوتة في الحرمان والألم ومع وجود ظلم مظلم بين الأفراد والجماعات يشيب له الغراب ولا يجد له حلا في المحاكم والمنتديات أو الجمعيات، إضافة إلى جهل مركب ورفض للقراءة والتعليم على مستوى النخب والجمهور سواء بفعل الخلل المذكور أوبقصد التجهيل والصرف الموجه عن جدية التفكير، كما أن النمو الاقتصادي والتفتح الثقافي ليس معناه أن نتنافس في الزي والألبسة والسيارات والسكن الفاخر بجانب مدن القصدير وبيوت الطين والحجر، إضافة إلى التنافس في وسائل الترفيه والولائم والرقص والغناء والموسيقى وإقامة المهرجانات المختلطة بأنوارها البراقة المزيفة وتحركاتها المشبوهة، إذ كل هذا يعد من وسائل المترفين ومظاهرهم ومن الأموال المستنزفة من عرق الفقراء والمحرومين وكذا المغفلين المستدرجين!

وليس الكم الإعلامي هو المفيد والدليل على النجاح والسير السليم لمجتمع ما، ولكن الكيف والجوهر الثابت والمحكم عند التقييم، فكم هناك من كم يوهم بحجم الجبال لكنه في الحقيقة كالعهن المنفوش ولا يبقى منه عند الصهر والتحليل سوى صورة باهتة في الخيال، لأنه لم يكن مترابطاً أو متراصاً، ولا ثابتا أو قارا!

إن إصلاح التعليم من جذوره لا من قشوره هو أساس التقدم والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والعدلي والسياسي، وحينما نقول من جذوره فذلك يعني بناء مراكزه على قواعد عقدية وسلوكية ثابتة وغير قابلة للمزايدة والتزييف، وإلا وقع التسيب في ميدان العلم واصبح متسيسا بالمفهوم السلبي يلعب على أوتار الرفض والقبول بحسب الأهواء والميول، ومن ثم قد يتسرب هذا المرض إلى مرافق التكوين الأصلي للامة وعقيدتها وسلوكها وفكرها، إذ سيظهر متسلفة متكلفة ومتخلفة كما رأينا، وأيضا متمصوفة مزيفة ومشكلة بإيعاز من متسيسة ودسيسة من متعالمة غير متخصصة، وكذلك تجرؤ متفلسفة مغرورة ومخرفة قد تصل إلى درجة أن تكون محرفة، وتتوهم في نفسها القدرة على نقد الكل وإعطاء البديل الدوني بوهم التحليل والتعليل!

وهذه كلها صور سلبية انزلق فيها المجتمع تحت غياب الوازع الأخلاقي والتكامل العلمي الضابطين الأساسيين للحفاظ على التخصصات وإعطاء كل ذي حق حقه بالتراتب والتسلسل، لكن حينما لا يتحمل كل واحد من أصحاب هذه المرافق مسؤوليته بجدية فإن الأمر يسترسل في التملص منها إلى أن يقف عند نقطة أكلة البطاطس وهي حكاية معروفة ومستملحة ملخصها: أن الابن رفض أمر أمه الحنون بأن يأكل البطاطس، فقال: أنا لا آكل البطاطس، ثم بدأت باستدعاء الوسائل المتدرجة في إرغامه على أكل البطاطس ابتداء من العصا ومرورا بالبقرة... الحداد.. إلى أن وصل الأمر إلى الفأر وعدوه التقليدي بالغريزة والتاريخ ألا وهو القط، بحيث أن كل الوسائل الأخرى أجابت برفض الأمر وعدم الاكتراث به، لكن حينما حكم القط في الفأر أجاب بالإيجاب أي: أنا آكل الفأر، فتسلسل بعد ذلك الامتثال إلى أن قال الولد: "أنا آكل البطاطس"!

ولقد كان الأسلم له والأحفظ لكرامته أن يستمع إلى نصيحة أمه منذ البداية من غير تعنيف ويأكل البطاطس كغذاء شهي وصحي في آن واحد، ولكن منطق الرفض من أجل الرفض واتباع الهوى من غير تفكير هو الذي أدى إلى هذا التعقيد في المسألة وتضييع الوقت في تشعباتها دون مبرر مادي أو معطى عقلي سليم، وبالتالي تدخل الغير في شؤوننا أردنا أم ابينا!

إنها مشكلتنا نحن الآن حينما نغيب الاستجابة إلى الحق ودعوته بالحسنى والطريقة السلمية والسليمة، التي ليس فيها سوى ما هو مصدر حياتنا وطهارة أنفسنا "يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم..."

وحيث أننا نتقاعس عن هذه الاستجابة وتناولها من وجهها الأمثل وبمقتضياتها المتكاملة فقد وقعنا فريسة بطالة متجذرة تمثلت في الصور الرئيسية التي سبق وعرضنا لها بدقة واختصار، وإلا فالأمر العام أسوأ مما يتصور أو يدون!

وعند هذا يبقى الحل للمشكلة البطالية الفكرية التي تحول دون وضع الشيء المناسب في المكان المناسب وبحسب المقتضى والزمن المناسب ليس سوى العودة إلى مراجعة الذات ونقد الباطن قبل الظاهر، وإعادة الاعتبار للتخصصات كل في مجاله وإلا فالأمر يعد من السخرية بمكان على نمط آكل البطاطس وسلسلة محاكمته، أي حينما يصبح العدو الثابت بالعقيدة والغريزة هو الذي يقرر القوانين ويدعو إلى تطبيقها، ليس من باب موافقتها للحق أو عدمها ولكن من جهة أن العدو من غريزته ورغبته الذاتية أن يحقق ما هو ثابت وراسخ لديه عقديا وتكوينا فكريا وتاريخيا من عداوة ضد عنصر أضعف منه لا يصلح في نظره إلا إلى الافتراس والاختلاس، وهذا هو موقف العرب والمسلمين في زماننا من الحق وتطبيق مقتضياته، نظرا لتعطل آلة التفكير لديهم بشكل فظيع، ونظرا لأنهم لا يريدون أن يخضعوا ويلتزموا طواعية بتطبيق لغة الأم الحنون على ابنها ومصلحته حينما تأمره من ذاتيتها لأن ينفذ أوامرها، فيرفض ابتداء، وهذا ما يضطر إلى تدخل الأب بعنف، وعند غيابه قد يتدخل من هو أعنف منه وأبعد قرابة، وحينما لا يجدي هذا الإجراء في دائرة القرابة قد يتدخل الأجانب بإذن وغير إذن فيكون الإجبار وفرض الرأي والعمل على الرافض والعارض معا!

فالعرب والمسلمون أصبحوا من هذه المواقف البطالية رهينة التدخل الأجنبي السافر في شؤونهم التعليمية والسياسية وكذا القانونية والمهنية، ومن ثم اختل التوازن لديهم في تحديد مذهبهم العقدي وطريقتهم الروحية والفكرية، إذ التخصصات في كل هذه المجالات لم تعد محترمة أو قابلة للتجديد بحكم الملكة والمزاولة، والتمييز بين الناصح والفاضح لم يعد ممكنا بسبب غياب الثقة فكريا بين العناصر المؤطرة لمجتمعاتنا.

ومن هنا أصبح الرفض هو سيد الموقف والقطيعة هي الجاري بها العمل وكذلك التملص من المسؤولية التي قد يرمي الكل تبعاتها على الآخر رغم شعوره الذاتي وتورطه الفعلي في استشراء الداء وانتشار الوباء، بحيث قد صرنا كما سبق ودرسنا في سلسلة اقرأ من برامج التعليم الابتدائي قديما في وضع قصة "أكلة البطاطس".

وبالتالي وهو أولا واخيرا التركيز على ترسيخ البناء العقدي والسلوكي الروحي للمجتمع في جل مرافقه، سواء كانت تعليمية شرعية وفقهية أو كانت تعليمية مادية وتقنية دنيوية وكذا تأطيرية سياسية وحزبية، مع ربط الاتصال بمراكز التكوين غير الرسمية، في مجال العقيدة والأخلاق والأذواق، وميدان الاستشفاء الروحي والفكري حتى يستقيم حال مجتمعنا ويحافظ على صحته المتكاملة وسيره المتوازن والحضاري.

يقول الله تعالى: "إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار" صدق الله العظيم، وهو الهادي إلى الصراط المستقيم.



الدكتور: محمد بنيعيش


Benyaich_tetouan@hotmail.com

درة
05-29-2008, 10:29 PM
http://file9.9q9q.net/img/92849531/59f7c8d6c3.gif (http://file9.9q9q.net/preview/92849531/59f7c8d6c3.gif.html)

مصطفى
09-16-2008, 02:44 PM
كتاب في غاية الاهمية