المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التجديد في دراسة علم التوحيد - د محمد بنعيش


حلم العرب
05-20-2008, 10:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.

http://www.benyaich.jeeran.com/TAJDID.jpg
مقـدمـة

في عصرنا الذي يزخر بالتنوع والتسارع الثقافي والعلمي بشقيه النظري والتجريبي، وفي زمن عرفت فيه المدنية أوجا لا يكاد يصفها أو يضبطها الإنسان نفسه، والذي أجرى الله على يديه بروز اكتشافاتها وما واكبها من تنوعات تقنية ومباحث دقيقة وعميقة في شتى مناحي الحياة المادية والإشباعات الذاتية الجسدية خاصة! يطرح سؤال حول مراجعة حصيلة ما توصل إليه الإنسان من حيث هو كائن متميز بوجوده والغاية منه، وهو تساؤل ملح وفارض نفسه فرضا لا محيد عنه، كما أنه مؤرق لأولي النهى من أهل عصرنا، ألا وهو هل حققت البشرية بوسائلها المادية ومعطياتها الفكرية المحضة اطمئنانها المنشود وإشباعها المفقود، ووفت بما ادعته من حتمية الوصول إلى هذه النتيجة بالوثيرة التي انجرفت في متاهات دروبها وألوانها المادية والغرائزية الجسدية؟

إن المؤشرات في البورصات الفكرية وأسهمها الضعيفة من حيث قيمتها، كما أن الملاحظات على عالمنا المتفلت من أجهزة الرصد المستقبلي القريب بله البعيد، والمتسم بسرعة الاتصال والاستجواب وتقديم الحلول الجاهزة على آلات الحاسوب (الأنترنيت والويب) والهواتف المحمولة والأطباق الهوائية والمركبات الفضائية… كل ذلك لا يدل على إمكانية التوصل إلى السعادة المرجوة بهذه الوسائل الدونية بالنسبة إلى خصوصية الإنسان في تحصيل الاطمئنان، بل على العكس من ذلك هو الذي حصل له، إذ أصبح حبيسا وسجين صناديق من البلاستيك وإشعاعاتها المضرة بالأعصاب والأبصار بل بصحة النفس والروح والعقول، رغم ما يستفاد منها من معلومات سرعان ما تؤول إلى الأفول!

فعوض أن يلتفت الإنسان بالنظر إلى السماء كي يرى ما بها من بهاء وجمال، وهي مرصعة بالنجوم ومصممة بالبروج ذات الدلالات العقدية والتنفيسات الروحية والبصرية الفاسحة لحرية الإنسان عن قيد الأبدان وسجن الأكوان، أصبح حبيس التركيز الضيق ورهينة ما يرصده لنفسه من خلال هواه ومزاجه الفاسد، باثا كان أو مستقبلا على حد سواء، وذلك من خلال ما اصطلح عليه بالأقمار الصناعية التي كانت وليدة فترة الخمسينات وثمرة الدمار والخراب الذي أصاب الإنسان من جراء الحرب العالمية الثانية في عصرنا الحديث، فكانت هذه الأجهزة قد ابتدأت ببساطة الحجم وإرسال الذبذبات ثم تطورت إلى نقل الصور والأصوات والمعلومات، ومن يدري فقد تتحول بالتلاحق والتراتب يوما ما إلى نقل المشاهد والمشاهد بالزر في لحظة الاتصال على سرعة الضوء أو الصوت، وهذا ليس بغريب ولا مستبعد على مستوى الواقع والاعتقاد عندنا نحن المسلمين "يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان" الآية

الخـاتـمـة

إن الحديث عن علم التوحيد والتجديد أوسع من أن يلخص في صفحات مقيدة بالزمان والمكان، لأنه يشمل الوجود كله بأوراقه ومرتكزاته وهوامشه ومدده ومداده، إذ وحدانية الله تعالى وجودا وذاتا وصفات وأفعالا هي المحددة لكل الكائنات والمشكلة لها من أرض وسموات، ولهذا فإن معرفة الله تعالى لا نهاية لها، والعجز عن الإدراك إدراك في هذا المقام، ومهما خاض الناس وسلكوا من طريق في هذه المعرفة فإنهم دائما يبقون على أول قدم فيها قد يصل كل واحد من طالبها بالحق حسب همته وفهمه وذوقه وقربه.

وما الحديث عن التجديد في دراسة علم التوحيد إلا امتداد وتلوين لما تحصل عليه السابقون وفرعه اللاحقون ولا حق اللاحقين، جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن ودورة فلك بعد دورة، لا ينتهي وارده ولا ينفد مدده "قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا" ، "كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا" لأن التجلي الإلهي قائم ودائم و "كل يوم هو في شأن". ومن هنا فليس للاحق أن يلغي ما وصل إليه السابق، ولا للسابق أن يحتكر ما تحقق به دون اللاحق، وإنما هي مواهب وفتوحات إلهية في باب معرفته، يهب صاحب العقل دلائل في مجاله، وصاحب القلب والذوق إيمانا مباشرا وارتقاء في مقامه، والكل ينشد مبدأ وغاية. "أن إلى ربك المنتهى".

فالمسلمون هم أهل التوحيد بلا منازع، وهم الأمة الوسط التي تشهد على كل من فرط، ومن ثم فعلمهم به هو جوهر العلوم ولبها، وهو أساسها وقاعدة ضبطها، ولهذا كان لا بد من تحديد مفهومه بين المصطلح وسعة مجاله وتبيين خصوصية نشأته وامتيازه على جميع العلوم وشمله عند تحصيله لكل طاقات الإنسان بالتوظيف والتصريف، فكان التنبيه القرآني والشغف العقلي وغريزة التعرف عند الإنسان أهم العوامل في هذه النشأة.

لكن هذا الشغف الإنساني يبقى قاصرا حينما لا يستقي شرابه من المدد الإلهي النصي الذي ظهر بالإعجاز والتحدي، فكان عين البرهان وقمته في الدلالة على الله وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم كما بينا عند الحديث عن النص العقدي في الإسلام وخصوصيتة اللغوية والمعرفية مما استدعى ضرورة الإحتياط في التعامل معه، وذلك بدقة متناهية ووعي بجوهر التوحيد ومحكمه، وخاصة عند التصريف اللغوي من خلال التفسير والترجمة وكذا التأويل، أدى بنا البحث في هذا المجال من خلال النظر في النص نفسه إلى اعتبار عالميته وقابلية جميع الخلق لفهمه وإدراك لغته إجمالا أو تفصيلا ولو بدون ترجمة أو تفسير، خاصة إذا كان هناك صدق طلب ونية سليمة في طلب الحق وسلوك طريقه.

كما تبين لنا بالأدلة وضرورة الاستنتاج أن عالم الغيب لا يعبر عنه إلا ربه وليس ذلك إلا الله تعالى الذي يختار أحدا من خلقه يخصه بتبليغ معناه بلغة قومه أو جنسه، ليس على سبيل الاصطلاح المحض فقط، وإنما بتجاوب روحي له ارتباط بعالم الذر وفترة الميثاق كما سبق وبينا.

وحيث أن هذه اللغة المختارة غيبا والمتلقاة شهادة لها بعد العالمية والشمولية رغم أنها في الاصطلاح الظاهري تبدو إقليمية، فإنها ستكون المؤهلة وحدها لصياغة البرهان المعجز والقطعي في الدلالة على الغيب ومضامينه، وأصل الوجود ومراتبه، قد يفهمها جل البشر إن بالعقل أو الحس أو الوجدان حسب استعداد كل إنسان وجان.

ولهذا وجدنا في القرآن الكريم قوة البرهان الجملي بالإعجاز والتحدي، والتفصيلي بالبيان والتفسير والخطاب الجدلي مع أنه يقيني.

فكان برهان الخلق يتجلى بصورتي الإعجاز والإيجاز ويتميز بالشمولية والسبر والتقسيم بحسب المقامات، نتائجه أقرب ما تكون إلى مقدماته يدرك بالبداهة على اختلاف مستوياتها ودرجاتها وأنواعها من حيث هي قوة حاضرة لدى الإنسان بالاستعداد والاستمداد. فشمل البرهان غذاء الحس والعقل والوجدان أو الشعور، وكان الحصر لأحكام العقل بارزا في جائزاته ومستحيلاته وواجبه، وقائما في صلب البرهان نفسه، وبهذا اجتمع العاقل وغير العاقل والمحسوس والتجريدي في دائرته على سبيل التكامل لا التناقض أو التعارض ومؤديا بالضرورة إلى استنتاج قطعي دال على وجود الخالق ووحدانيته سبحانه وتعالى.

وبما أن الخلق لم يوجد عبثا أو على سبيل الصدفة والاتفاق فإنه ولابد ينطوي في وظيفته وبنيته على برهان أكثر دقة ورقة، وهو برهان العناية والغاية والحكمة والتسخير.

وهذا برهان يصل السماء بالأرض والغيب بالشهادة والإنسان بالجان والحيوان، والعاقل بغير العاقل والموضوع بالمحمول، والأعراض بالجواهر، كما يفسر التدرج في الكائنات ويحدد مكانة الإنسان في هذا الوجود المرئي وخاصية تكوينه وتصرفه، مع تبيين أنه سلطان هذه الأرض ظاهرا ليس بذاته وقدرته وإنما بتخصيص إلهه له.

فالإنسان ضعيف بنية ووظيفة، حجما وجسما، ومع ذلك فالكل ممن دونه في هذا الكون مسخر لمصلحته، كما أن هذا التسخير والتسيير ليس مرتبطا بوجوده ضرورة، فقد يوجد كون وليس يوجد إنسان، إما من جهة القبلية أو من جهة البعدية، ومن هنا فالاستنتاج يؤدي ضرورة إلى أن الإنسان أوجده الله تعالى لغاية وقصد هو لصالح الإنسان نفسه. وفيه حكمة قد يعلمها أو يجهل في كثير من الأحيان بعضها أو كلها، وبهذا يكون ملزما بأن يبقى دائما خاضعا للمسخّر الأعلى الذي سخر الكون لصالحه وسخره –أي الإنسان- لغاية واحدة وهي معرفة الله وعبادته مصداقا لقوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".

وإذا كان القرآن قد أمدنا بكل ما يلزمنا من برهان وإيمان فإن الفكر الإسلامي كتراث قد استنار بنصه العقدي وتغذى بأشعته، فكانت صياغته للبراهين المتفرعة عنه قوية وملتزمة بحسبه.

إذ المتكلمون ومعهم بعض الفلاسفة المسلمين أو جلهم مع ما يبدو لديهم من قلة الاستشهادات بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية فإنهم من حيث الجوهر والمنطلق كانوا نصيين مبدأ وغاية، وخاصة الأشاعرة من أهل السنة الذين وظفوا على التوازي والتوازن النقل مع العقل، فكان خطابهم يبدو عقليا ولكن مرجعيته نصية، لأن البحث في الوجود الإلهي ووحدانيته وكذا صفات المعاني والأفعال كلها تعود إلى ما أقره النص القرآني من عقائد جملية أو تفصيلية، بل إن اللغة كانت جد مكثفة في جل المباحث لديهم.

فدليل الحدوث لا يبتعد عن برهان الخلق كما رأينا عند تفسيره من خلال القرآن الكريم، إذ أن آية الخلق أعطت لنا كل مستلزمات وضروريات الحكم العقلي ومتعلقاته من العلوم، ومن ثم فلا بد من البحث عن السبب الأول لكل الحادثات وهي مطابقة لكل المخلوقات، فالله تعالى خالق لكل شيء نصا وعقلا، والعالم حادث بكلياته وجزئياته كما استقر عليه مذهب المتكلمين، إذن فهو -أي العالم- يحتاج إلى سبب في وجوده، ومصطلح السبب هنا يرمز إلى مصطلح الخالق الوارد في القرآن والحديث النبوي من حيث المعنى والغاية، فلا مشاحة إذن في الاصطلاح إذا اتحد المعنى رغم اختلاف المبنى اللغوي، إضافة إلى اعتبار مصطلح السبب عند المتكلمين تواضعيا وظرفيا من حيث الاستعمال، فيبقى المصطلح القرآني قائما وحاضرا في كل الحالات.

فالمتكلمون كانوا مشكلين للمصطلح بحسب ظرف التواضع العرضي لا مجددين له من حيث الجوهر والمضمون، لأنه في أصله يبقى دائما جديدا ومتجددا بذاته لا يبلى، بحيث يشمل في معناه ومبناه الماضي والحاضر والمستقبل، والكلي والجزئي والخاص والعام، والعرضي والجوهري….

ف "خالق كل شيء" يشمل بمعناه ومصطلحه الممكن بأسره، بإحداثه وإيجاده من العدم إلى الوجود، ومن السكون إلى الحركة، ومن الرتق إلى الفتق وهكذا، ومن ثم فإن وظيفة المتكلمين وكذلك بعض الفلاسفة المسلمين كما رأينا عند دليل الحدوث لإثبات الوجود الإلهي ووحدانيته لم تكن سوى تشكيلية اصطلاحية بحسب تجدد المصطلح في التخاطب أو التحاور عند الآخرين المعارضين، ومسايرة تلويناتهم الاصطلاحية كأرضية مسلم بها للحوار المبدئي يظنون فيها بأنفسهم أنهم أهل التجديد وذوي الفكر التقدمي والعلمي فيما يزعمون.

وهذا ما حدا بالغزالي إلى تأليف كتاب "مقاصد الفلاسفة" كمقدمة وتمهيد وبعده "تهافت الفلاسفة" كنقد وتفنيد ثم "الاقتصاد في الاعتقاد" كضابط وتحديد، وذلك بلغة كلامية ظرفية مناسبة لمزاعم الخصم وتمويهاته، وإلا فالخطاب الكافي في الجدل السليم والحوار الجاد والمتجدد يبقى بمصطلحه ومعناه دائما، متمركزا على وجه الاستيفاء والاشتمال في القرآن الكريم والحديث النبوي، المصدر الأول والرئيسي لعلم التوحيد عند المسلمين، ومن هنا كان تقديمنا ضرورة للبراهين القرآنية على أدلة المتكلمين عند الدراسة والاستدلال، بتبيين نماذج برهانية معينة كدعوة إلى تجديد طرق الاستدلال من خلال النظر في القرآن الكريم مباشرة مع محاولة ملامسة أوجه البرهان في آياته التي قد تبدو من حيث الظاهر البسيط أنها تقريرية محضة، بينما هي قمة في البرهنة والدليل الهادي لكل حيران، بل إن هذه البراهين كانت النور الذي استصبح به المتكلمون في ضبط قواعدهم وتجديد مصطلحاتهم وأيضا تجديد مناهجهم التي لم يقتصروا فيها على مجرد اعتماد دليل الحدوث كمحطة أخيرة في مباحثهم.

فكان عندهم دليل اللطمة ورعاية الأحوط والنهاية واللانهاية، والشعور واللاشعور، والظواهر النفسية والاجتماعية والمسار التاريخي، ودليل الحكمة مع مبدأ التجوير المشتمل عليه ضمنا، خلافا لما اعترض به ابن رشد في هذا المجال كما بينا، إذ كان من مبادئ جلهم أن الاستكثار من الدلائل الاقناعية كما عبر الرازي فيما سبق: "قد ينتهي إلى إفادة القطع بحيث أن الجدل قد يقوم مقام البرهان في إفادة اليقين، وأولى المواضيع برعاية الاحتياط فيه والمبالغة في التقرير وإزالة الشكوك و الشبهات "معرفة الإله المدبر الحكيم".

إن المتكلمين من خلال البحث العقدي قد خاضوا بالضرورة في الحديث عن الجواهر وتحدثوا عن النهاية واللانهاية العقليين والرياضيين معا وعن الكمون والتولد، والطفرة والحركة والسكون والبصريات، والمرئي والرائي واللامرئي والأبعاد والحدود، والتراكيب والتحاليل، والإرادة والفعل والانفعال والتفاعل، والقدرة، والمعجزة والكرامة، وطي المسافات والزمان والمكان، ودورات الأفلاك، وكروية الأرض وطبيعة السماء والشمس والكواكب، وطبائع الأشياء والوجود والعدم والإمكان الذهني والإمكان الواقعي، والاستحالة العادية والعقلية والواجب والممكن والمستحيل، والحكم والمعلوم، والعدل والظلم، والروح والجسد والتذكر والنسيان وخصوصيات الجان والإنسان ….إلخ، كل ذلك بالاستناد إلى النص كمصدر للمعرفة والاعتقاد والعقل والحس والتجربة كأداة للاستدلال والوصول إلى المراد.

فكيف يا ترى يمكن إقصاء علم الكلام ومضامينه جملة من ساحة الثقافة الإسلامية وما يشتمل عليه من إفادة علمية للإنسانية بجرة قلم، أو هوى عشوائي وصخب منبري من غير المؤهلين لفهم البعد العقدي في الإسلام، أو المضامين التراثية لعلم التوحيد في صورته الحجاجية، رغم ما قدمه من عطاء فكري إسلامي أصيل ساهم في تحصين الأمة الإسلامية من الغزو الأجنبي وساهم في الاكتشاف العلمي الرصين نظريا وتجريبيا تشهد له الكتب التي لا تكاد تحصى من مؤلفات علماء الكلام سواء كانوا معتزلة أو شاعرة وماتريدية أو ظاهرية وصوفية أو حتى حنبلية معارضة من حيث المنهج والمصطلح؟!

فبماذا يلام الأشاعرة مثلا حينما قالو: بأن الأجسام متألفة من الجواهر، وأن الجوهر الفرد جزء لا يتجزأ؟ أفلم يكن هذا التركيز والخيار العلمي نجاحا مشعا في تصور الأشاعرة ومنهجهم؟ فها هو العلم الحديث بعد استعمال المجهر وتقدم علم الفيزياء والكيمياء يكتشف أن مجمل الكون المرئي والمحسوس مكون من ذرات، كل ذرة منه تستقل بذاتها وعنصرها، كما قد تندمج مع مثيلاتها بحسب خصوصياتها؟

أفلا يخدم هذا الاكتشاف رأي الأشاعرة عند القول بالجوهر الفرد أو الجزء الذي لا يتجزأ؟

وكرأي مخالف للأشاعرة سواء منهم المعتزلة وبعض الفلاسفة وأيضا ابن حزم الظاهري قد يرون أن لا جزء إلا وهو قابل للتجزؤ إلى ما لا نهاية، وهذا يخدم مبدأ رياضيا وعقليا صوريا في آن واحد، وهو إمكانية تصور التجزؤ إلى ما لانهاية ذهنا مهما دق الجسم أو غمضت ملاحظته قد يؤكده مبدأ انشطار الذرة كما دلت عليه التجارب حاليا، في حين يبقى هذا التعارض الموضوعي بين الفريقين لا يلغي أحدهما وظيفة الآخر.

فكلا المبدأين يبدو صالحا للاستعمال والتوظيف بحسب ظرفه، إذ الأول واقعي تؤيده التجارب الحديثة والآخر عقلي وذهني يحدده مبدأ التجويز العقلي بل التحصيل العلمي المعاصر كما أنه يكون وسيلة للتطلع إلى الاكتشافات المستقبلية والغائبة عن الحس المجرد.

وإذا كان المتكلمون من خلا ل دليل الحدوث قد أعطوا بكل ما لديهم من نفس في مجال المعرفة والتجربة، والدفاع والاقناع، فإن الصوفية بدورهم قد كان لهم حضور متميز في مجال علم التوحيد ممارسة وتجربة راقية روحية في حدود معطيات النص القرآني والحديثي، فبلغوا بها إلى القمة في صياغة هذا العلم اصطلاحا وفهما من خلال وصف مشاعرهم وأذواقهم في بحره، كما نجده مثلا في صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم المعروفة بالصلاة المشيشية نسبة إلى القطب الصوفي سيدي عبد السلام بن مشيش حيث يقول: "وزج بي في بحار الأحدية وانشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحس إلا بها".

إذ التوحيد في المفهوم الصوفي معايشة وشعور وذوق وترسخ في القلب بالإيمان المباشر كما عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم دعاء بقوله: "اللهم ارزقني إيمانا يباشر قلبي".

ومن هنا فيكون الموحد معبرا عن اعتقاده بحسب ذوقه، لأن الحقيقة واحدة والتعبير عنها متفاوت، وكل له مقام في هذا الباب، ولهذا كنا قد أدرجنا عند البرهنة القرآنية على وجود الله تعالى ووحدانيته التمهيد ببعض أقوال الصوفية وأشعارهم وهي على شكل حكم مستلهمة من القرآن الكريم والسنة النبوية وما تذوقه العارفون بالله، باعتبارها ثمرة العمل بمقتضيات النص العقدي في الإسلام، إذ جاء التعبير مختصرا بحسب معينه ومشربه، ومفيدا بحسب تغذيه واعترافه كما يقول ابن عربي الحاتمي في كتاب الفتوحات المكية إنشادا:

أتـيت إلى بحر الـبـدايـة أغــتـرف
ولما رأيت الـحق بالأول اتصف

فيـشهدني في غاية الحال اغــتـرف
بـلـذة ظـمـآن لأشـرب شــربـة

على كـبد حـراء فتاعمل لها وقـف
فـيـا بردها من شربة مسـتـلذة

ولا ما يرى فيه من الزهو والـصـلف
ولا تـحجـبنه عجبه عن شهوده

فما خـلتف إلا ومـثـل لـهـا سـلف
فـإن لــه فـيـمـن تـقــدم أســوة

لقوم أتوا من بعدهـم ما لـهم خـلف
وإن نــهايـات الـرجـال بـدايـة

له خلـف بل عنـده الأمر قد وقف[1]
كـمثـل رسـول الله في طـوره فـا




وأيضا يقول ابن عطاء الله السكندري في إحدى حكمه: "شتان بين من يستدل به أو يستدل عليه المستدل به عرف الحق لأهله فأثبت الأمر من وجود أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه، ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه".

فعلم التوحيد هو علم التجديد، لأنه لا نهاية له، ومن ثم كان لا بد من استمرارية حضوره في العقل والشعور والذوق الإنساني، كل يغترف حسب طاقاته وظمئه، وبحسب سلامة غريزته والحفاظ على أصالتها وتأصلها، وبهذا فالأدلة لا تنتهي وصورها لا تنحصر، فكان بذلك تنويعنا للمصطلحات وتركيزنا على الأساسيات في هذا العلم والأوليات من أصوله، إذ تبين لنا أن العقل المجرد لا يكفي في استيعاب كلي لهذا المجال ومن ثم لا يفي بمقصود ذوي الهمم من الرجال، فكان لا بد من وجود النص المعرف بأصل الاعتقاد ومصدره، لأنه لا دليل على الله حق الدلالة إلا به تعالى، فهو الأول وهو الآخر وهو الظاهر وهو الباطن.

ومن هنا كان التعريف الأولي المباشر في عالم الذر للأرواح المجردة "ألست بربكم؟ قالوا: بلى‍‌‌‌‍‍‍‍‍!‍‍‌‌ " وكان التذكير بهذا التعريف من خلال النص وبواسطة الرسل والأنبياء يتقدمهم سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المجددين والمقرين والمقررين.

فكان بذلك واسطة كل الوسائط للدلالة على الله تعالى بالنص وبالشخص، وهذا ما توصلنا إليه في باب التوحيد، استنتاجا واستدلالا برهانيا بالقرآن والحديث والعقل والوجدان.

ولقد كان الصوفية هم الرواد في إدراك هذه الحقيقة المحمدية وعالميتها، لما لها من دلالة على التوحيد، ولما لها من بعد موحد لعناصر الوجود الممكن في بنيته وأصله الأولي، كما أن هذه الحقيقة كانت موحدة للدين من آدم عليه السلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وكمال حقيقتهم ومنتهى ميثاقهم، إذ الميثاق النبوي -كما رأينا- له ارتباط دلالي بالميثاق الإلهي، ومن هنا فلم يبق من طريق يوصل إلى الله تعالى إلا بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم، لأوليته للوجود الممكن وشموليته لمعنى الدين، ولعالميته في الماضي والحاضر والاستقبال. وهذا أيضا مؤشر ومفتاح للتجدد في الفهم عبر العصور لمعاني التوحيد من غير خروج عن النص ومضامينه.

ولقد اقتصرنا في البرهنة العقدية على وجود الله تعالى أصل الاعتقاد، ومن الاستنتاج الأول ترتب بالضرورة البرهان على وحدانيته تعالى، وبالتالي وحدانية الدين والرسالة، وهو ما توصلنا إليه بلغة متجددة ونابعة من النص الديني نفسه قرآنا وحديثا نبويا، الشيء الذي وصلنا بما كنا قد تحدثنا عنه في بداية البحث عن النص العقدي بين التفسير والترجمة، وكيفية شمولية وإلزامية خطاب واحد لجميع الكائنات رغم اختلاف ألسنتها ولغاتها.

فالإله واحد والخطاب واحد والرسول واحد، ولهذا فكان لزاما على كل الشعوب والأمم عبر العصور أن تقر بهذه الحقيقة فطرة وغريزة وعقلا ونقلا.

ومن هنا فإن القول بتعدد الأديان على سبيل التعارض أو التوافق أيضا مع وجود الكامل منها هو قول باطل، لأن "الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءهم العلم بغيا بينهم، ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب" "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" فلا مجال للتحاور حول الأديان على سبيل التكافؤ والتناظر، وإنما اللاحق ينسخ السابق، والكامل يلغي الناقص والشامل يقصي القاصر وهكذا ومن ثم فلم يعد يوجد سوى دين واحد وهو الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وحتى لو زعم أهل الديانات السماوية الأخرى التي كانت قبل ممن يسمون بأهل الكتاب أنهم على حق وغيرهم على باطل رغم ما حرفوه من أحكام وأخفوه من حقائق، فإن زعمهم هذا يرد عليهم ويبرز تناقضهم وكذبهم في دعواهم التزامهم أديانهم ورفضهم لدين غيرهم مما ينسب إلى الأنبياء والرسل السابقين، وذلك لأن الدين الإسلامي يثبت تلك الأديان في صحتها ويلغيها بعد تحريفها، بحيث قد صححها ونسخ بعض ما جاء فيها، وكمل ما لم يكن قد ورد فيها، فهو إذن أولى بالبقاء والاتباع وأسلم للعمل به منها، إذ البقاء للأصلح والأكمل يقول الله تعالى: "فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني، وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين آسلمتم، فإن أسلموا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد" صدق الله العظيم

د.محمد بنعيش
Benyaich_tetouan@hotmail.com

درة
05-29-2008, 11:30 PM
http://file9.9q9q.net/img/92849531/59f7c8d6c3.gif (http://file9.9q9q.net/preview/92849531/59f7c8d6c3.gif.html)