support
12-30-2009, 12:38 AM
الدكتور محمد بنيعيش
كلية أصول الدين
جامعة القرويين
Email:benyaich_tetouan@yahoo.fr.
1 ) لكل حركة سكون، و لكل زمان مكان كما لكل طريق مدخل و بداية.
هذا هو حال الوجود الممكن بعناصره المرئية و غير المرئية، الثابتة
و المتغيرة. يظهر ثم يختفي، يعلو ثم يدنو ويرنو، يشذو ثم يحذو، يتحرك ثم يسكن . . أعراض متكررة و متنوعة، و سبب عند سبب، و يسير الكل في ركب الوجود، خضوعا لسنة الله في خلقه و مسبب الأسباب " فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا"
لكن مما ينبغي أن يلاحظ على هذا الوجود هو أنه بثوابته و متغيراته يخضع لقانون الحق، و يستسلم لنظامه و مقتضياته "ربنا ما خلقت هذا باطلا " فالثابت حق و المتغير حق، و قد يصبح الثابت متغيرا و المتغير ثابتا، كما يصبح السالب موجبا و الموجب سالبا، بحسب مقتضى الحق و لازمه، كما يقول الله تعالى "إنا كل شيء خلقناه بقدر" و " يزيد في الخلق ما يشاء" و "نحن خلقناهم و شددنا أسرهم و إذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا" "و " يخلق ما لا تعلمون" . .
و الطريقة القادرية البودشيشية من ثوابت الحق مضمونا و غاية، و من متغيراته أشخاصا و أنماطا، لكنها تبقى بهذا الوجه امتدادا للأصل الثابت جوهرا ومظهرا، و متصلة بحبله اتصالا موثوقا و مرموقا، لأنها طريقة صوفية سنية إسلامية، جمعت الثوابت الحسنى للحق في وصف واحد، كما أنها تسمو الى تحقيق الغاية القصوى من تكوين الشخصية الإسلامية السوية، جمعا بين ثلاثة عناصر ثابتة أيضا و هي: الفقه و العقيدة و السلوك، سنية في سنية، على وجه التكامل والتعاضد و التصاعد، كما يقول ابن عاشر عن المذهبية الإسلامية للشخصية المغربية في التاريخ:
في عقد الأشعري و فقه مالك و في طريقة الجنيد السالك
فالطريقة متكاملة السند في شرف النسب و النسبة، إذ من جهة النسب فإن شيخ الطريقة الحالي هو: سيدي أبو جمال حمزة بن الحاج العباس بن المختار القادري البودشيشي.
و لد سنة 1344 هـ / 1922 م بقرية مداغ من إقليم بركان بشرق المغرب،
و ينتهي نسبه الى الشيخ عبد القادر الجيلاني الحسني، نسبة الى الحسن بن علي و فاطمة الزهراء بنت رسول الله r، و هو نسب موثق و ذو سند متصل اتصال استفاضة و اشتهار و تدوين.
و أما من جهة النسبة فإن الطريقة تلتقي روحيا عند الشيخ عبد القادر الجيلاني الحسني بسنده الى مولانا رسول الله r، و سلسلة هذه الطريقة نسبا مدخل
ونسبة شجرتها موجودة عند الشيخ سيدي حمزة، و هي مسرودة ومدونة في الجزء الخامس من معلمة المغرب لمن أراد الإطلاع عليها، و من هنا فالطريقة قادرية نسبا ونسبة، و أما لقب بودشيش فليس سوى نسبة لأحد الأجدادا القادريين لقب به عرضا، و ألصق بالخلف غرضا، لحسابات وخلفيات ذاتية من بعض الجهات كما فهمته من كلام شيخي، و إلا فالأصل الأعلى الذي تنتهي إليه الطريقة كنية ولقبا، ونسبة و نسبا: هو القادري الحسني (العلوي، الفاطمي) المحمدي.
و فيما يخص التاريخ المختصر و القريب لسلالة الشجرة القادرية البودشيشية في مجال الجهاد و المجاهدة المؤدية إلى الولاية و الصلاح، فإن الشيخ سيدي المختار بن محيي الدين بن المختار لا تخفى أخباره وأحواله على أهل شرق المغرب و خاصة في منطقة بني يزناسن، بركان ووجدة و أنجاد . . .كما أنه لا تزال صورة[1] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ftn1) اعتقاله من طرف المستعمر الفرنسي ماثلة في بيوت أحفاده و مسجلة في مدونات المؤرخين للمنطقة باللغتين العربية و الفرنسية، وتمثل شهادة حية و ناطقة عن بطولات هذا الرجل و مواقفه الوطنية عمليا و ليس مجرد شعارات و ادعاءات.
و لقد قرأت في بعض المطبوعات باللغة الفرنسية الخاصة بالتأريخ للمنطقة و بصورة عابرة أن اعتقال السيد المختار المتوفى سنة 1914 م لم يتم إلا بعد أن عمد المستعمر إلى حرق ممتلكاته و إتلاف أمتعته و إهلاك ماشيته. ويظهر الشيخ سيدي المختار في الصورة و هو جالسا القرفصاء وبجانبه فرسه و على مقربة منه أحد الجنود الفرنسيين و إلى الجانب الآخر من واد قد يسمى "عين مرجية" بجبل أغبال أحد جبال بني يزناسن، تبدو ملامح طابور من الجنود الفرنسيين يراقبون اعتقاله، و ذلك في انتظار قدوم الجينرال اليوطي، على مقربة من خوانق أغبال.
و لقد كان من بين أسباب أسره تخلي بعض أهالي المنطقة عن مساندته، وربما خذلوه بأسلوب أو بآخر، مما كان أسره عاملا حاسما في القضاء على مقاومة التدخل الفرنسي في هذه الجهات، و إلا فكما يحكي عنه ثبوتا، أنه لم يوقف جهاده و توظيف ماله من عتاد، رغم أن هدنة كانت قد تمت بين السلطان عبد العزيز و القائد الاستعماري من جهة الشرق آنذاك إلا بعد أن توصل بالأمر السلطاني مباشرة و بخط مكتوب، لأنه كان لا يهادن المستعمر الغازي، و لا يعترف مواطنة سوى بالسلطة الشرعية و الممثلة حينئذ من طرف السلطان عبد العزيز.
و عند هذه الصور الدقيقة التاريخية تنبغي الإشارة كرد على بعض المموهين حينما ينعتون الطرق الصوفية جملة بالموالاة للاستعمار إلى أنهم يعمدون الى أسلوب ذاتي وهمي مبتذل من نمط: النقطة السوداء في اللبن الأبيض، بحيث أن تلك النقطة حينما تسقط في اللبن الأبيض تصرف بعض المرضى نفسيا و فكريا عن تناوله فيفوتون بذلك على أنفسهم منافعه رغم أنهم محتاجون إليه غذاء و دواء، و ذلك لأنهم يعانون من انعكاسات شرطية و همية لا غير.
فالطريقة القادرية البودشيشية لم توقف مقاومتها للمستعمر سواء قبل الحماية أو عندها، و قد تنوعت بتنوع الظروف و مقتضى الجهاد و حال البلاد، كما أنه ينبغي التمييز جيدا لغة و مضمونا بين مفهوم الموالاة والمداراة، و كذا بين العمالة و المعاملة، إذ الموالاة و العمالة تعني التواطؤ مع المستعمر ضدا على المصلحة الوطنية و هذا منفي قطعا عن الزاوية القادرية البودشيشية، طريقة وأفرادا، أما المداراة و المعاملة فهو جهاد الحكماء و المخلصين من الوطنيين في درء شر المستعمر و تفادي بطشه وإقباره لأية نواة جهادية تتخذ لها مركزا وزاوية مستقرة تلجأ إليها و خاصة في الحالة التي يحكم فيها العدو قبضته على البلاد، ويصبح مراقبا مباشرة للمؤسسات الدينية و الوطنية. و من هنا فتكون مقاومة غلبته المرحلية حينئذ بالحيلة و التضليل عند مطاردته للمجاهدين، و تحين الفرص للانقضاض عليه في حالة ضعفه أو غفلته، و هكذا كان حال الزاوية كمؤسسة بارزة مقرا و بناية، جهاد في السر و مراوغة في العلن، و دون الإخلال أو المس بالأصول و المبادئ الإسلامية و الوطنية، أما كأفراد فكان الجهاد المؤكد حركة بالسلاح و الانخراط في صف المقاومة الوطنية العامة.
و من هنا فالطريقة القادرية البودشيشية تبقى هي اللبن الأبيض الذي لم تنزل عليه نقطة سوداء سواء في الماضي أو الحاضر مهما حاول الإساءة إليها بعض المشبوهين من الغوغاء أو ذوي الخلفيات السوداء، لأنها كانت و ما زالت معبرة عن مقاومتها و وطنيتها بالصورة و الحركة وبالعمل و البركة، كما يحكى عن الشيخ سيدي المختار في جهاده و سلوكه كرامات تدخل في حكم الولاية والجهاد الأكبر و هو الذي أكسبه توقيرا و احتراما كبيرا لدى أهل منطقة بركان وضواحيها، و هي كرامات كانت ناتجة عن خصال الكرم و السخاء الكبير، الذي تميز به الشيخ المختار، و الذي كان فيه صلاح كثير من الناس على يديه.
2 ) إن هذه الروح الجهادية و الكرم بشقيه المادي و المعنوي سوف لن يقتصر على السيد المختار بن محيي الدين، بل إنها قد سبقت في أجداده وامتدت إلى أحفاده و ما زالت . .
فسيكون شيخنا سيدي حمزة بن العباس بن المختار من أبرز الممثلين للجهاد كمقاومة مسلحة و للمجاهدة كمداومة مصححة، حتى إنه قد انخرط عمليا في جيش التحرير كما صرح به نفسه. و قد تقلد لفترة وجيزة منصبا إداريا لم يكن يعترف عند مزاولة مهامه فيه سوى بالسلطة الشرعية المغربية المتمثلة في الأمر السلطاني، و كان يرفض التواطؤ أو الولاء للمستعمر بأي وجه أو مبرر. كما كان يحمي المقاومين و يتستر عليهم.
ولقد شهدت مجلسا للشيخ سيدي حمزة مع حضور أحد أبرز المقاومين في منطقة الشرق من بني يزناسن،جاء ليعترف للشيخ رسميا بدوره البطولي في المقومة وتدويخ المستعمر وكذلك بعمله الفدائي الفذ في هذا المجال.هذا المقاوم يدعى بابن الطيب والذي توفي بعد قليل من هذا اللقاء الناذر من نوعه.جاء الرجل ليقول لشيخنا سيدي حمزة ،بإشهاد رسمي مسجل من طرف العدلين ،وحتى ألقى الله تعالى وأكون قد أديت هذه الأمانة من غير خيانة بأننا قد كنا نضيعك حقك في الجهاد ودورك في دعم المقاومة حينما كنا لا نذكر اسمك ضمن لائحة المقاومين وأرقام بطاقاتهم الرسمية .بالرغم من توليه منصب الخليفة آنذاك ظاهرا ولفترة جد وجبزة ،وهو المنصب الذي كان يموه به على المستعمر دوره الجهادي في مقاومته ويضلله به حتى يرتدع عن التنكيل بالمقاومين وأسرهم.
فكان مما حكاه آنذاك والتقطته ذاكرتي هو تلك القصة الفدائية الراقية التي مارسها الشيخ سيدي حمزة في تضليل المستعمر وتمرير السلاح للمقاومين من أمام أعينهم.بحيث قد يحكي ابن الطيب هذا بأنهم ذات مرة كانوا يريدون تهريب السلاح إلى المقاومين من بركان إلى وجدة فلم يجدوا غير الشيخ سيدي حمزة الذي أمدهم بسيارته(نوع اسطافيط رونو أو سيتروين) المشحونة بالسلاح مع ورقته الرمادية التي تحمل اسمه طبعا,ولما أوقفهم جنود المستعمر في الطريق وشرعوا بالتفتيش في الهويات طلبوا من السائق أن يدلي لهم بأوراق السيارة ...فما أن قرأ أحدهم الورقة الرمادية ووجد عليها اسم الشيخ سيدي حمزة أو مجرد اللقب بودشيش حتى سلمها لهم وفتح الممر لكي يعبروا بسلام قائلا لهم:c’est le marabout أي الولي ،بينما كانت السيارة مملوءة بالأسلحة الموجهة للمقاومين في المنطقة.فكان هذا الدور الريادي الذي قام به سيدي حمزة عملا فدائيا راقيا لدعم المقاومة وتضليل المستعمر الذي كان يتوهم من خلال منصب الخليفة الشكلي بأن الشيخ سيدي حمزة في خدمته بينما العكس هو الحاصل"إذ الحرب خدعة" فقد كان يخدم المقاومة ويسعى بكل ما أوتيه من حيلة لتحرير البلاد وتحقيق الاستقلال الذي أصبح ينعم به المغاربة والذي نرجو من الله تعالى أن يتحقق في العراق وفلسطين وأفغانستان وفي كل بلد صودرت حريته واعتدي على حدوده وكرامته بهذه الأساليب الذكية ومماثلتها.
كما كان من الأمور التي ذكرها ابن الطيب عن الشيخ سيدي حمزة وزاويته هو إيواؤه وبتوافق مع والده الشيخ سيد الحاج العباس للمجاهدين بالزاوية في مداغ مع نفس عملية التضليل وردع المستعمر عن أن يخترق عتبات الزاوية ،في حين قد كان المقاومون يتزودون بالمال والسلاح والمئونة لمواصلة الكفاح،بل قد كان سيدي حمزة كما يحكي أيضا ابن الطيب يوبخ المستعمر لما يقتحم جنودهم بعض البيوت للمقاومين في غياب الرجال من أجل تفتيشها ،فكان توبيخه لهم لاذعا وصارما ومع ذلك لا يتجرؤون على إذايته لاحترامهم له من حيث لا يشعرون رغم أنف أبيهم،ولم يتفطنوا بأنهم قد كانوا يواجهون أحد كبار أولياء هذه الأمة بل أقطابها ودعاتها الأبرار ومجاهديها بالنفس والنفيس.
ومن مناسبة القدر وجمال تجليه أن أتى أحد أبرز المقاومين للمستعمر الأمريكي إلى زيارة الشيخ سيدي حمزة بنفس الزاوية مداغ ليأخذ عنه الطريقة ويكمل مسيرته الجهادية على مستوى آخر جد متسامي،إنه الرئيس السابق للفيتنام والداحر والهازم لأعتى قوة استعمارية في العالم ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية.فلقد جاء هذا الشهم بكل تواضع وخضوع لينهل من معين الشيخ سيدي حمزة ويسلك مسلك السعادة الأبدية وتحرير الروح والنفس من عبودية الأهواء واستعمار الأغراض والصور والمغررات.بحيث قد حكى لنا شيخنا –كما يعلمه الكثير ونشرته الصحف- بأنه لما تقابل الرئيس مع الشيخ وقدم له ما يستحقه من احترام وتقدير كما يليق بالتلميذ تجاه أستاذه أنه قال له:إنك قد قدت عربة أمتك أو وطنك إلى بر النجاة والانعتاق والتحرر وجاهدت بما فيه الكفاية أو أكثر لكن بقي عليك أمر آخر ينبغي أن تقوده وتسوقه إلى بر النجاة والاستقلال الحقيقي لتكمل مسيرتك .فقال الرئيس للشيخ :فما هو يا شيخنا دلني عليه؟ قال له :عليك بقيادة عربة نفسك ومجاهدتها الجهاد الأكبر ،فحينئذ تكون قد أكملت مشوارك ! فقال له الرئيس:إني أعدك يا شيخنا أن أعمل كل ما في وسعي لكي أحقق هذا الأمر في ظل هذه الطريقة المباركة والتي سأجعلها أولى أولوياتي لي ولقومي في تحقيق هذه السعادة والتحرر الأكبر...
وبهذا فقد كان هذا اللقاء صفعة قوية على وجوه بعض المتنطعين الذين مافتئوا يصفون الطريقة وشيخها بالموالاة للغرب ويصفونهم بالصوفية الفرانكفونيين و الأمريكانيين وما إلى ذلك مما يلوكه سفهاء الأحلام والأقلام في عصرنا،وخاصة حينما يرون توافد الأجانب على الزاوية لذكر الله تعالى والتزام الطريقة كمسلك روحي عالمي لا حدود ولا تقييد زماني أو مكاني له.
كما قد أثبت هذا اللقاء بأن الأحرار والشرفاء لا يعرفهم إلا أحرار من جنسهم وطينة شرف غريزتهم و"الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" ،وهو الذي حصل بين الشيخ سيدي حمزة والرئيس الفيتنامي وغيره من الشرفاء الذين أصبح المغرب كوطن من أعز الأوطان لديهم بسبب احتضانه للشرفاء الأحرار والغيورين من صلحاء هذه الأمة وعلى رأسهم الشيخ سيدي حمزة بدون منازع والذي لم يكن أبدا خاذلا أو بائعا أو مساوما على وطنه وقضيته الأولى الصحراء المغربية ، ولم يرد أنه كان يوما ما، سواء بالحال أو المقال، منازعا أو متطلعا إلى منصب ملكه وخصوصيته الوطنية والجهادية سواء في مرحلة الحماية أو ما بعد الاستقلال على طول مدته، كما أنه لم يثبت في حقه أنه كان في لحظة ما مشتتا لشمل أمته ووحدتها كيفما كانت الظروف ومهما ضاق الحال أو اتسع،في حين لم يثبت أنه وضع أبدا يده في يد جهة خارجية ضد مصلحة بلده أو أمته ولم يصدر تصريحا محرضا أومنتقدا في مجلة أو جريدة خارجية على حساب وحدة بلده واستقلال قراره واستقراره، بل ديدنه دائما قد كان هو الدعوة إلى وحدة الصف والوطن والالتفاف حول العرش العلوي وملكه وحماية الثغور وتحقيق الازدهار والمحبة في أرجاء المغرب و سائر بلاد المسلمين.وأؤكد هذا القول بالتحدي ظاهرا وباطنا وواقعا وتوقعا،وكفى بالله شهيدا.
بعد هذه المرحلة الجهادية الوطنية فقد كان متفرغا لأعماله التعبدية و العادية بجانب والده سيدي الحاج العباس بن المختار الذي كان بدوره مجاهدا بأسلوب متميز و متناسب مع وضع البلاد و مقتضى حال الدعوة و رعاية لمصلحة الزاوية في فتوتها، بإيعاز من شيخه سيدي أبي مدين بن المنور القادري البودشيشي المتوفى سنة 1375ه - 1955 م، و هو ابن عم سيدي المختار جد شيخنا و الذي كان ورعا جدا لم يستطع ملازمة خدمته بصبر و ثبات حتى نال منه ما كان يكتنزه من معرفة و تحقيق سوى شيخنا و ابيه اللذين انتقلت إليهما الوراثة التربوية والروحية على استحقاق و جدارة، وتكامل بين التربية بالحال و المقال. فتقدم الأب لسبقه الزمني، و تبعه الإبن بتصديقين معا: تصديق لشيخه وتصديق لأبيه،فكانت وراثته قوية جدا، لأنه نال الإشارة بمراقي السلوك من شيخين في رحلة واحدة، فظهر فضل الوراثة عنده بظاهرتين متكاملتين هما، ظاهرة الجلال و الجمال، و هو ما تحتويه في معانيها الصلاة الجمالية و هي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مختارة كشعار للطريقة، لأنها مسلك الكمل من الرجال وملجأ الآتين من صلحاء الأجيال "و ورث سليمان داوود".
و لسنا الآن بصدد سرد تاريخ مفصل عن الواقع الجهادي و مظاهر الولاية و الصلاح الموروثة في العائلة القادرية البودشيشية و إنما هي مجرد لمحة و مدخل عام يريد أن يزيل نسبيا بعض الأغشية عن العيون الرمدة التي لم ترد أن تسلم بصفاء السماء التي تفرعت إليها شجرتها روحيا و سلوكيا و علميا، رغم أن الشواهد ثابتة و الدار قائمة و عامرة، و السائل عنها لا ينهر!
[1] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ftnref1) - هذه الصورة منقولة عن مجلة Illustration التي كانت تصدر قبل مجلة Paris-match و هي معنونة ب La capture du Marabout Sidi Al Mokhtar.
كلية أصول الدين
جامعة القرويين
Email:benyaich_tetouan@yahoo.fr.
1 ) لكل حركة سكون، و لكل زمان مكان كما لكل طريق مدخل و بداية.
هذا هو حال الوجود الممكن بعناصره المرئية و غير المرئية، الثابتة
و المتغيرة. يظهر ثم يختفي، يعلو ثم يدنو ويرنو، يشذو ثم يحذو، يتحرك ثم يسكن . . أعراض متكررة و متنوعة، و سبب عند سبب، و يسير الكل في ركب الوجود، خضوعا لسنة الله في خلقه و مسبب الأسباب " فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا"
لكن مما ينبغي أن يلاحظ على هذا الوجود هو أنه بثوابته و متغيراته يخضع لقانون الحق، و يستسلم لنظامه و مقتضياته "ربنا ما خلقت هذا باطلا " فالثابت حق و المتغير حق، و قد يصبح الثابت متغيرا و المتغير ثابتا، كما يصبح السالب موجبا و الموجب سالبا، بحسب مقتضى الحق و لازمه، كما يقول الله تعالى "إنا كل شيء خلقناه بقدر" و " يزيد في الخلق ما يشاء" و "نحن خلقناهم و شددنا أسرهم و إذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا" "و " يخلق ما لا تعلمون" . .
و الطريقة القادرية البودشيشية من ثوابت الحق مضمونا و غاية، و من متغيراته أشخاصا و أنماطا، لكنها تبقى بهذا الوجه امتدادا للأصل الثابت جوهرا ومظهرا، و متصلة بحبله اتصالا موثوقا و مرموقا، لأنها طريقة صوفية سنية إسلامية، جمعت الثوابت الحسنى للحق في وصف واحد، كما أنها تسمو الى تحقيق الغاية القصوى من تكوين الشخصية الإسلامية السوية، جمعا بين ثلاثة عناصر ثابتة أيضا و هي: الفقه و العقيدة و السلوك، سنية في سنية، على وجه التكامل والتعاضد و التصاعد، كما يقول ابن عاشر عن المذهبية الإسلامية للشخصية المغربية في التاريخ:
في عقد الأشعري و فقه مالك و في طريقة الجنيد السالك
فالطريقة متكاملة السند في شرف النسب و النسبة، إذ من جهة النسب فإن شيخ الطريقة الحالي هو: سيدي أبو جمال حمزة بن الحاج العباس بن المختار القادري البودشيشي.
و لد سنة 1344 هـ / 1922 م بقرية مداغ من إقليم بركان بشرق المغرب،
و ينتهي نسبه الى الشيخ عبد القادر الجيلاني الحسني، نسبة الى الحسن بن علي و فاطمة الزهراء بنت رسول الله r، و هو نسب موثق و ذو سند متصل اتصال استفاضة و اشتهار و تدوين.
و أما من جهة النسبة فإن الطريقة تلتقي روحيا عند الشيخ عبد القادر الجيلاني الحسني بسنده الى مولانا رسول الله r، و سلسلة هذه الطريقة نسبا مدخل
ونسبة شجرتها موجودة عند الشيخ سيدي حمزة، و هي مسرودة ومدونة في الجزء الخامس من معلمة المغرب لمن أراد الإطلاع عليها، و من هنا فالطريقة قادرية نسبا ونسبة، و أما لقب بودشيش فليس سوى نسبة لأحد الأجدادا القادريين لقب به عرضا، و ألصق بالخلف غرضا، لحسابات وخلفيات ذاتية من بعض الجهات كما فهمته من كلام شيخي، و إلا فالأصل الأعلى الذي تنتهي إليه الطريقة كنية ولقبا، ونسبة و نسبا: هو القادري الحسني (العلوي، الفاطمي) المحمدي.
و فيما يخص التاريخ المختصر و القريب لسلالة الشجرة القادرية البودشيشية في مجال الجهاد و المجاهدة المؤدية إلى الولاية و الصلاح، فإن الشيخ سيدي المختار بن محيي الدين بن المختار لا تخفى أخباره وأحواله على أهل شرق المغرب و خاصة في منطقة بني يزناسن، بركان ووجدة و أنجاد . . .كما أنه لا تزال صورة[1] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ftn1) اعتقاله من طرف المستعمر الفرنسي ماثلة في بيوت أحفاده و مسجلة في مدونات المؤرخين للمنطقة باللغتين العربية و الفرنسية، وتمثل شهادة حية و ناطقة عن بطولات هذا الرجل و مواقفه الوطنية عمليا و ليس مجرد شعارات و ادعاءات.
و لقد قرأت في بعض المطبوعات باللغة الفرنسية الخاصة بالتأريخ للمنطقة و بصورة عابرة أن اعتقال السيد المختار المتوفى سنة 1914 م لم يتم إلا بعد أن عمد المستعمر إلى حرق ممتلكاته و إتلاف أمتعته و إهلاك ماشيته. ويظهر الشيخ سيدي المختار في الصورة و هو جالسا القرفصاء وبجانبه فرسه و على مقربة منه أحد الجنود الفرنسيين و إلى الجانب الآخر من واد قد يسمى "عين مرجية" بجبل أغبال أحد جبال بني يزناسن، تبدو ملامح طابور من الجنود الفرنسيين يراقبون اعتقاله، و ذلك في انتظار قدوم الجينرال اليوطي، على مقربة من خوانق أغبال.
و لقد كان من بين أسباب أسره تخلي بعض أهالي المنطقة عن مساندته، وربما خذلوه بأسلوب أو بآخر، مما كان أسره عاملا حاسما في القضاء على مقاومة التدخل الفرنسي في هذه الجهات، و إلا فكما يحكي عنه ثبوتا، أنه لم يوقف جهاده و توظيف ماله من عتاد، رغم أن هدنة كانت قد تمت بين السلطان عبد العزيز و القائد الاستعماري من جهة الشرق آنذاك إلا بعد أن توصل بالأمر السلطاني مباشرة و بخط مكتوب، لأنه كان لا يهادن المستعمر الغازي، و لا يعترف مواطنة سوى بالسلطة الشرعية و الممثلة حينئذ من طرف السلطان عبد العزيز.
و عند هذه الصور الدقيقة التاريخية تنبغي الإشارة كرد على بعض المموهين حينما ينعتون الطرق الصوفية جملة بالموالاة للاستعمار إلى أنهم يعمدون الى أسلوب ذاتي وهمي مبتذل من نمط: النقطة السوداء في اللبن الأبيض، بحيث أن تلك النقطة حينما تسقط في اللبن الأبيض تصرف بعض المرضى نفسيا و فكريا عن تناوله فيفوتون بذلك على أنفسهم منافعه رغم أنهم محتاجون إليه غذاء و دواء، و ذلك لأنهم يعانون من انعكاسات شرطية و همية لا غير.
فالطريقة القادرية البودشيشية لم توقف مقاومتها للمستعمر سواء قبل الحماية أو عندها، و قد تنوعت بتنوع الظروف و مقتضى الجهاد و حال البلاد، كما أنه ينبغي التمييز جيدا لغة و مضمونا بين مفهوم الموالاة والمداراة، و كذا بين العمالة و المعاملة، إذ الموالاة و العمالة تعني التواطؤ مع المستعمر ضدا على المصلحة الوطنية و هذا منفي قطعا عن الزاوية القادرية البودشيشية، طريقة وأفرادا، أما المداراة و المعاملة فهو جهاد الحكماء و المخلصين من الوطنيين في درء شر المستعمر و تفادي بطشه وإقباره لأية نواة جهادية تتخذ لها مركزا وزاوية مستقرة تلجأ إليها و خاصة في الحالة التي يحكم فيها العدو قبضته على البلاد، ويصبح مراقبا مباشرة للمؤسسات الدينية و الوطنية. و من هنا فتكون مقاومة غلبته المرحلية حينئذ بالحيلة و التضليل عند مطاردته للمجاهدين، و تحين الفرص للانقضاض عليه في حالة ضعفه أو غفلته، و هكذا كان حال الزاوية كمؤسسة بارزة مقرا و بناية، جهاد في السر و مراوغة في العلن، و دون الإخلال أو المس بالأصول و المبادئ الإسلامية و الوطنية، أما كأفراد فكان الجهاد المؤكد حركة بالسلاح و الانخراط في صف المقاومة الوطنية العامة.
و من هنا فالطريقة القادرية البودشيشية تبقى هي اللبن الأبيض الذي لم تنزل عليه نقطة سوداء سواء في الماضي أو الحاضر مهما حاول الإساءة إليها بعض المشبوهين من الغوغاء أو ذوي الخلفيات السوداء، لأنها كانت و ما زالت معبرة عن مقاومتها و وطنيتها بالصورة و الحركة وبالعمل و البركة، كما يحكى عن الشيخ سيدي المختار في جهاده و سلوكه كرامات تدخل في حكم الولاية والجهاد الأكبر و هو الذي أكسبه توقيرا و احتراما كبيرا لدى أهل منطقة بركان وضواحيها، و هي كرامات كانت ناتجة عن خصال الكرم و السخاء الكبير، الذي تميز به الشيخ المختار، و الذي كان فيه صلاح كثير من الناس على يديه.
2 ) إن هذه الروح الجهادية و الكرم بشقيه المادي و المعنوي سوف لن يقتصر على السيد المختار بن محيي الدين، بل إنها قد سبقت في أجداده وامتدت إلى أحفاده و ما زالت . .
فسيكون شيخنا سيدي حمزة بن العباس بن المختار من أبرز الممثلين للجهاد كمقاومة مسلحة و للمجاهدة كمداومة مصححة، حتى إنه قد انخرط عمليا في جيش التحرير كما صرح به نفسه. و قد تقلد لفترة وجيزة منصبا إداريا لم يكن يعترف عند مزاولة مهامه فيه سوى بالسلطة الشرعية المغربية المتمثلة في الأمر السلطاني، و كان يرفض التواطؤ أو الولاء للمستعمر بأي وجه أو مبرر. كما كان يحمي المقاومين و يتستر عليهم.
ولقد شهدت مجلسا للشيخ سيدي حمزة مع حضور أحد أبرز المقاومين في منطقة الشرق من بني يزناسن،جاء ليعترف للشيخ رسميا بدوره البطولي في المقومة وتدويخ المستعمر وكذلك بعمله الفدائي الفذ في هذا المجال.هذا المقاوم يدعى بابن الطيب والذي توفي بعد قليل من هذا اللقاء الناذر من نوعه.جاء الرجل ليقول لشيخنا سيدي حمزة ،بإشهاد رسمي مسجل من طرف العدلين ،وحتى ألقى الله تعالى وأكون قد أديت هذه الأمانة من غير خيانة بأننا قد كنا نضيعك حقك في الجهاد ودورك في دعم المقاومة حينما كنا لا نذكر اسمك ضمن لائحة المقاومين وأرقام بطاقاتهم الرسمية .بالرغم من توليه منصب الخليفة آنذاك ظاهرا ولفترة جد وجبزة ،وهو المنصب الذي كان يموه به على المستعمر دوره الجهادي في مقاومته ويضلله به حتى يرتدع عن التنكيل بالمقاومين وأسرهم.
فكان مما حكاه آنذاك والتقطته ذاكرتي هو تلك القصة الفدائية الراقية التي مارسها الشيخ سيدي حمزة في تضليل المستعمر وتمرير السلاح للمقاومين من أمام أعينهم.بحيث قد يحكي ابن الطيب هذا بأنهم ذات مرة كانوا يريدون تهريب السلاح إلى المقاومين من بركان إلى وجدة فلم يجدوا غير الشيخ سيدي حمزة الذي أمدهم بسيارته(نوع اسطافيط رونو أو سيتروين) المشحونة بالسلاح مع ورقته الرمادية التي تحمل اسمه طبعا,ولما أوقفهم جنود المستعمر في الطريق وشرعوا بالتفتيش في الهويات طلبوا من السائق أن يدلي لهم بأوراق السيارة ...فما أن قرأ أحدهم الورقة الرمادية ووجد عليها اسم الشيخ سيدي حمزة أو مجرد اللقب بودشيش حتى سلمها لهم وفتح الممر لكي يعبروا بسلام قائلا لهم:c’est le marabout أي الولي ،بينما كانت السيارة مملوءة بالأسلحة الموجهة للمقاومين في المنطقة.فكان هذا الدور الريادي الذي قام به سيدي حمزة عملا فدائيا راقيا لدعم المقاومة وتضليل المستعمر الذي كان يتوهم من خلال منصب الخليفة الشكلي بأن الشيخ سيدي حمزة في خدمته بينما العكس هو الحاصل"إذ الحرب خدعة" فقد كان يخدم المقاومة ويسعى بكل ما أوتيه من حيلة لتحرير البلاد وتحقيق الاستقلال الذي أصبح ينعم به المغاربة والذي نرجو من الله تعالى أن يتحقق في العراق وفلسطين وأفغانستان وفي كل بلد صودرت حريته واعتدي على حدوده وكرامته بهذه الأساليب الذكية ومماثلتها.
كما كان من الأمور التي ذكرها ابن الطيب عن الشيخ سيدي حمزة وزاويته هو إيواؤه وبتوافق مع والده الشيخ سيد الحاج العباس للمجاهدين بالزاوية في مداغ مع نفس عملية التضليل وردع المستعمر عن أن يخترق عتبات الزاوية ،في حين قد كان المقاومون يتزودون بالمال والسلاح والمئونة لمواصلة الكفاح،بل قد كان سيدي حمزة كما يحكي أيضا ابن الطيب يوبخ المستعمر لما يقتحم جنودهم بعض البيوت للمقاومين في غياب الرجال من أجل تفتيشها ،فكان توبيخه لهم لاذعا وصارما ومع ذلك لا يتجرؤون على إذايته لاحترامهم له من حيث لا يشعرون رغم أنف أبيهم،ولم يتفطنوا بأنهم قد كانوا يواجهون أحد كبار أولياء هذه الأمة بل أقطابها ودعاتها الأبرار ومجاهديها بالنفس والنفيس.
ومن مناسبة القدر وجمال تجليه أن أتى أحد أبرز المقاومين للمستعمر الأمريكي إلى زيارة الشيخ سيدي حمزة بنفس الزاوية مداغ ليأخذ عنه الطريقة ويكمل مسيرته الجهادية على مستوى آخر جد متسامي،إنه الرئيس السابق للفيتنام والداحر والهازم لأعتى قوة استعمارية في العالم ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية.فلقد جاء هذا الشهم بكل تواضع وخضوع لينهل من معين الشيخ سيدي حمزة ويسلك مسلك السعادة الأبدية وتحرير الروح والنفس من عبودية الأهواء واستعمار الأغراض والصور والمغررات.بحيث قد حكى لنا شيخنا –كما يعلمه الكثير ونشرته الصحف- بأنه لما تقابل الرئيس مع الشيخ وقدم له ما يستحقه من احترام وتقدير كما يليق بالتلميذ تجاه أستاذه أنه قال له:إنك قد قدت عربة أمتك أو وطنك إلى بر النجاة والانعتاق والتحرر وجاهدت بما فيه الكفاية أو أكثر لكن بقي عليك أمر آخر ينبغي أن تقوده وتسوقه إلى بر النجاة والاستقلال الحقيقي لتكمل مسيرتك .فقال الرئيس للشيخ :فما هو يا شيخنا دلني عليه؟ قال له :عليك بقيادة عربة نفسك ومجاهدتها الجهاد الأكبر ،فحينئذ تكون قد أكملت مشوارك ! فقال له الرئيس:إني أعدك يا شيخنا أن أعمل كل ما في وسعي لكي أحقق هذا الأمر في ظل هذه الطريقة المباركة والتي سأجعلها أولى أولوياتي لي ولقومي في تحقيق هذه السعادة والتحرر الأكبر...
وبهذا فقد كان هذا اللقاء صفعة قوية على وجوه بعض المتنطعين الذين مافتئوا يصفون الطريقة وشيخها بالموالاة للغرب ويصفونهم بالصوفية الفرانكفونيين و الأمريكانيين وما إلى ذلك مما يلوكه سفهاء الأحلام والأقلام في عصرنا،وخاصة حينما يرون توافد الأجانب على الزاوية لذكر الله تعالى والتزام الطريقة كمسلك روحي عالمي لا حدود ولا تقييد زماني أو مكاني له.
كما قد أثبت هذا اللقاء بأن الأحرار والشرفاء لا يعرفهم إلا أحرار من جنسهم وطينة شرف غريزتهم و"الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" ،وهو الذي حصل بين الشيخ سيدي حمزة والرئيس الفيتنامي وغيره من الشرفاء الذين أصبح المغرب كوطن من أعز الأوطان لديهم بسبب احتضانه للشرفاء الأحرار والغيورين من صلحاء هذه الأمة وعلى رأسهم الشيخ سيدي حمزة بدون منازع والذي لم يكن أبدا خاذلا أو بائعا أو مساوما على وطنه وقضيته الأولى الصحراء المغربية ، ولم يرد أنه كان يوما ما، سواء بالحال أو المقال، منازعا أو متطلعا إلى منصب ملكه وخصوصيته الوطنية والجهادية سواء في مرحلة الحماية أو ما بعد الاستقلال على طول مدته، كما أنه لم يثبت في حقه أنه كان في لحظة ما مشتتا لشمل أمته ووحدتها كيفما كانت الظروف ومهما ضاق الحال أو اتسع،في حين لم يثبت أنه وضع أبدا يده في يد جهة خارجية ضد مصلحة بلده أو أمته ولم يصدر تصريحا محرضا أومنتقدا في مجلة أو جريدة خارجية على حساب وحدة بلده واستقلال قراره واستقراره، بل ديدنه دائما قد كان هو الدعوة إلى وحدة الصف والوطن والالتفاف حول العرش العلوي وملكه وحماية الثغور وتحقيق الازدهار والمحبة في أرجاء المغرب و سائر بلاد المسلمين.وأؤكد هذا القول بالتحدي ظاهرا وباطنا وواقعا وتوقعا،وكفى بالله شهيدا.
بعد هذه المرحلة الجهادية الوطنية فقد كان متفرغا لأعماله التعبدية و العادية بجانب والده سيدي الحاج العباس بن المختار الذي كان بدوره مجاهدا بأسلوب متميز و متناسب مع وضع البلاد و مقتضى حال الدعوة و رعاية لمصلحة الزاوية في فتوتها، بإيعاز من شيخه سيدي أبي مدين بن المنور القادري البودشيشي المتوفى سنة 1375ه - 1955 م، و هو ابن عم سيدي المختار جد شيخنا و الذي كان ورعا جدا لم يستطع ملازمة خدمته بصبر و ثبات حتى نال منه ما كان يكتنزه من معرفة و تحقيق سوى شيخنا و ابيه اللذين انتقلت إليهما الوراثة التربوية والروحية على استحقاق و جدارة، وتكامل بين التربية بالحال و المقال. فتقدم الأب لسبقه الزمني، و تبعه الإبن بتصديقين معا: تصديق لشيخه وتصديق لأبيه،فكانت وراثته قوية جدا، لأنه نال الإشارة بمراقي السلوك من شيخين في رحلة واحدة، فظهر فضل الوراثة عنده بظاهرتين متكاملتين هما، ظاهرة الجلال و الجمال، و هو ما تحتويه في معانيها الصلاة الجمالية و هي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مختارة كشعار للطريقة، لأنها مسلك الكمل من الرجال وملجأ الآتين من صلحاء الأجيال "و ورث سليمان داوود".
و لسنا الآن بصدد سرد تاريخ مفصل عن الواقع الجهادي و مظاهر الولاية و الصلاح الموروثة في العائلة القادرية البودشيشية و إنما هي مجرد لمحة و مدخل عام يريد أن يزيل نسبيا بعض الأغشية عن العيون الرمدة التي لم ترد أن تسلم بصفاء السماء التي تفرعت إليها شجرتها روحيا و سلوكيا و علميا، رغم أن الشواهد ثابتة و الدار قائمة و عامرة، و السائل عنها لا ينهر!
[1] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ftnref1) - هذه الصورة منقولة عن مجلة Illustration التي كانت تصدر قبل مجلة Paris-match و هي معنونة ب La capture du Marabout Sidi Al Mokhtar.