المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "شيخ الطريقة البودشيشية وإشكالية التجديد الديني"


support
12-30-2009, 12:37 AM
الدكتور محمد بنيعيش
كلية أصول الدين
جامعة القرويين
المغرب
Benyaich_tetouan@yahoo.fr

1)مقتضى التجديد وِوراثة الدعوة عند الشيخ


إن الشيخ سيدي حمزة القادري بودشيش ،باعتباره مجددا في نظرنا، لم يكن من أولى أولوياته الخوض بالتأليف والوعظ في مجال الفقه و أصوله و الخلافيات و علوم الحديث و مصطلحه و كذا التفسير وعلم التوحيد أو علم الكلام النظري والفكري. . كمقاصد رئيسية في التلقين و التربية. لأن هذه المجالات العلمية لها مختصوها، و هي فروض كفاية من حيث تعليمها وإن كان بعضها فرض عين من حيث تعلمها، لأن " طلب العلم فريضة على كل مسلم و مسلمة". فإذا وجد من يقوم بها سقط التكليف عن الباقين ما دامت الكفاية موجودة، و كيف لا و المؤسسات العلمية من دار الحديث الحسنية و جامعة القرويين و شعبة الدراسات الإسلامية وغيرها من المراكز العلمية قد تخرج أفواجا لا تكاد تحصى من أصحاب الإجازات والشواهد العليا في مجالات العلوم الشرعية و الإصطلاحية بكل أنواعها.
فالمجدد من حيث مقتضى مصطلح التجديد قد لا يكون مهتما ابتداء بكل البناء كإعادة للتأسيس أو الترميم العام و التسييج، لأن هذا العمل سيكون بمثابة إلغاء للبناء من أصله، و لهذا فمهما كان من تجديد لبناء الكعبة فإنه، لم و لن يتجاوز الأساس الأول الذي أسسه سيدنا إبراهيم و ابنه إسماعيل عليهما السلام كما ذكره الله تعالى في قوله" و إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت و إسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم"[1] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_edn1)
و من ثم فسيكون المجدد مهتما بالدرجة الأولى بما بلي من البناء أو بما هو مهدد بالسقوط و الانهيار و الضياع، و أهم البلى هو الذي أصاب القلوب والمعتقدات و المشاعر و الوجدانات فيما يخص الإنسان من حيث مستوى تدينه، لا الدين من حيث أصوله و ثوابته، و قد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "جددوا إيمانكم. فقال رجل كيف نجدد إيماننا، قال: "أكثروا من قول لا إله إلا الله"[2] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_edn2) و كان أيضا يقول " أكثروا من قول لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها" و ربط هذين الحديثين بحديث تجديد الدين أو أمره يمكن اعتباره متكاملا كما ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"[3] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_edn3)
إذ المجدد لن يكون نبيا أو رسولا و إنما هو أحد ورثة النبي يختص بما هو قابل للتجديد أو مقتضي له، و لا يستأثر إلا بما هو خاص بعصره و بمقتضى حال الأمة، و بالتالي يكون محركا لكل الفعاليات التي تتكون منها الأمة الإسلامية من علوم و سلوك و معاملات، و عادات و أعراف. . .
و معلوم أن الأمة لا تتحرك إلا بقلوبها، و أن الأرض الموات لا تنتج غلة و لا تملأ سلة، فقد تتجدد في السيارة أجنحتها و فراملها و عجلاتها
و مقاعدها . . . و مع ذلك تبقى مشلولة و غير ذات فائدة إذا لم يجدد محركها وتصلح أسطواناته و فتائله، و كل ما يلزمه من أدوات لتحقيق تحركه على وثيرة منتظمة و قوية، تضمن له القدرة لدفع العجلات على النحو الجيد .
و قد يكون من المستهجن أو المستثقل أن يقوم شخص واحد بنفسه في زمن التخصصات بإصلاح كل أعطاب السيارة و احتكارها لصالحه مع وجود من يقوم بها عنه، لأنه حينما يقوم كل متخصص بمهامه إلى جانب الآخر فإن التعاون سيعطي للمصلح الرئيسي الوقت اللازم و الاهتمام القوي لإتقان عمله و إتمام إصلاح المحرك بدقة و عناية فائقة.
و من المؤسف له أن الكثير ممن يصدِّرون أنفسهم لمجال الدعوة في عصرنا الحالي يعانون من هذه الظاهرة الاحتكارية للعمل الإسلامي، بحيث كل واحد من هؤلاء قد يتوهم في نفسه أنه هو صاحب الحل و العقد في هذا الزمن أو أنه المجدد دون غيره، مع أنه في الحقيقة يكون أحوج الناس إلى التجديد لأنه موحل مع نفسه لا يستطيع الخلاص من أمراضها و "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" الآية[4] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_edn4).
و حينما نسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم "العلماء ورثة الأنبياء" فإنه ينبغي أن يفهم على الوجه الذي مثلنا له، إذ الوراثة قائمة و مشتركة حول أصل التركة، إلا أن كل وارث قد أخذ نصيبه بحسب استحقاقه و استيعابه للموروث، فيمكن أن ينضم الوارث إلى آخر فتكبر الثروة. و قد لا ينضم فيبقى ذو القسمة الكبرى أكثر استفادة من ذي القسمة الصغرى و قد يتساوى أهل القسمة في النصيب، كما يختلف الورثة فيما بينهم من حيث حيازتهم لنوع الإرث، فهذا يختص بعقار، وذاك ينال حليا وآخر يسعد بضيعته وغيره يحظى بكتاب، بل قد يرث البعض الوكالة و النيابة بصورة أو أخرى، و أهم من هذا و ذاك رضا المورث و هو إرث معنوي لا يقاس بمال و لا أعمال.
و الإرث النبوي متنوع الفروع ومقسم بين الأمة كل حسب استعداده، و من هنا فيكون من باب الجراءة و المناورة المؤدية إلى دعوى الاحتكار الدعوي والمعرفي، أن يزعم شخص بوجود تطابق كلي بين عين الوارثين وأنصبة الموروثات، سواء في الأقوال أو الأفعال و أكثر منه استبعادا في المشاعر والأحوال، لأن هذا الادعاء ربما قد يؤدي إلى الانزلاق نحو وهم التناسخ أو الاستنساخ الباطني، في حين لم يتم التأكيد بزعم الاستنساخ الظاهري للأشخاص.
عالِمية الشيخ سيدي حمزة

الفصل الأول

فقد نجد الفقيه ليس كالفقيه، و المحدث و المفسر أيضا، و كل هؤلاء
و أولئك ورثة شرعيون و ركائز في العلوم الشرعية، و مع ذلك قد نجد لديهم تطلعا إلى الزيادة و البحث فيما لم يصلوا إليه من علوم غابت عنهم، سواء كانت ظاهرية أم باطنية، إذ الفقيه في المعاملات ليس هو الفقيه في السلوك والأخلاق، والفقيه في العبادات ليس في مستوى المتخصص في العقيدة والإيمان و أحوال الوجدان . كما أن المحدث يحتاج إلى الفقيه و كذلك العكس، و المفسر يحتاج إليهما، و كلهم يحتاجون إلى تجديد الإيمان، وأقواهم إيمانا أكثرهم نصيبا في الإرث و استثماراته و قدرة على تجديد فهمه و ذوق حلاوته.
و إذ أن الشيخ داعية إلى الإكثار من ذكر الله تعالى و تلقين "لا إله إلا الله" للغافلين و الشاردين و المعطلين و الواقفين مع سطحية و ضآلة حظهم من الإرث النبوي، فإنه بذلك يكون مجددا حقيقيا و أكثر الورثة حظا ونصيبا من ثمرات الموروث. لأنه اختص بتجديد المحركات - أي القلوب - حيث العطالة تنتابها عند صدئها إذا لم تزود بالوقود اللازم لها و تزيت بزيت الحياة، كما يمكن فهمه من قول الله تعالى " ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله و ما نزل من الحق و لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم، و كثير منهم فاسقون، اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون"[5] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_edn5).
و كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم " مثل الذي يذكر ربه و الذي لا يذكر ربه مثل الحي و الميت"[6] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_edn6)وهذه الحياة هي التي تعطينا إدراك معاني قول الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه :"إنكم لتعملون أعمالا هي في أعيمكم أدق من الشعر ‘ن كنا لنعدها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات"رواه البخاري في باب ما يتقى من محقرات الذنوب,
كما قد تؤهلنا لفهم سر التغير في الخشوع والتوجه وضعف مستواه حينما تصفه أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه ووسلم أم سلمة رضي الله عنها بقولها:طكان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام أحدهم يصلي فلا يعدو بصر أحدهم موضع قدميه فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان المصلي لا يتجاوز بصره موضع جبينه فلما توفي أبو بكر رضي الله عنه كان المصلي لا يجاوز بصره موضع القبلة مدة خلافة عمر رضي الله عنه فلما توفي عمر رضي الله عنه وكانت الفتنة أيام عهد عثمان رضي الله عنه التفت الناس يمينا وشمالا"[7] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_edn7)وذلك لاختلال قلوبهم وتشوش توجههم ظاهرا وباطنا وليس مجرد صناعة جسدية وتكلف كما قد يغلب على أكثر من يسمون بالمتسلفة في زماننا.في حين قد نذرك أيضا قيمة تنبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرجل رآه يطأطئ رقبته قائلا له:يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب[8] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_edn8)،وقد ورد في حديث رواه البيهقي في الشعب :"تعوذوا من خشوع النفاق"وإنما خشوع النفاق أن تخشع الجوارح والقلب غير خاشع...وهذا ما أنتجه التصوف بما يعرف بعلم دقائق الرياء وهو الأخطر على الأمة والشرك الأصغر بمنطوق الحديث النبوي الشريف.
و من هنا فيكون سبب الاعتراض على عالِمية الشيخ كإسقاط من طرف بعض المتسلفين أو المتسلقين لوظائف الوعظ و الإرشاد أو الكتابة و التأليف، ناتجا عن هذا القصور في فهم معنى الوراثة، زاعمين توهما أنهم الأوصياء على الإرث والورثة، بل أدى بهم الوهم إلى زعم التقمص الكلي لشخصية المورِّث و مصادرة إرثه، وذلك بدعوى السلفية السطحية و التاريخية والأصولية الضيقة و ما إلى ذلك من المصطلحات، التي هي كلمات حق أريد بها احتكار مجالاته، مما أدى بالبعض إلى إقصاء غير المتقمصين لأسبالهم البالية و المرقعة من دائرة الإرث الكلي و تضييق مجالات الموروث، حيث أنه في ذاته يقتضي السعة و بسط الجناح على كل من نال نصيبه منه سواء قل أو كثر، لأن الأصل جامع و الفروع بحسب قوة الغصن المتفرع عن جذعه!
و بسبب هذا الإقصاء فقد وقعوا في دائرة الحجب من الإرث، فبقوا محجوبين عنه مع أنهم قد يستحقونه من حيث الانتماء المبدئي للأصل، فلا هم استفادوا من الإرث مباشرة و لا هم سلموا لأولي القسمة فنالوا منهم فضلهم واتصلوا بجملة الموروث على وجه ما .
و الدعوة إلى الله تعالى من أهم الموروثات النبوية، و من شروطها القول الحسن و العمل الصالح نحو الذات و الآخر، كما أن من شروطها سلامة الإتباع وصحة الاستبصار، يجمع هذا قول الله تعالى "و من أحسن قولا ممن دعا إلى الله و عمل صالحا و قال إنني من المسلمين و لا تستوي الحسنة و لا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم"[9] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_edn9) ، "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين"[10] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_edn10)
عالِمية الشيخ سيدي حمزة

"قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني، و سبحان الله و ما أنا من المشركين" [11] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_edn11)

2) الوعي الدعوي و مناسبة الخطاب عند الشيخ

و لقد دخل الوهم على كثير ممن يعترضون على عالمية الشيخ من خلال ملاحظة حديثة في بعض المناسبات مع بعض أتباعه أو رواد زاويته ممن يريدون لقاءه و التعرف عليه و ذلك بمخاطبتهم بلهجة مغربية عادية وبسيطة، و من هنا فقد كان أغلب توهمهم فيما أظن، لأنهم كانوا يتوقعون من الشيخ أن يجدوه لا يتكلم إلا بالمصطلحات الدقيقة و المحفوظات الغريبة من ألفاظ و أمثال و قواعد علمية مشهورة بين أهل الاستظهار و التحصيل في الجامعات و المعاهد، هذا مع تصفيف الجمل المعقدة و التشدق بالألفاظ الطنانة و الرنانة، و إنشاد الأشعار والملحمات والمقامات البلاغية، و التنقل ما بين علم المعاني، و البيان و البديع . . . الخ، وهذا في نظرنا لو كان حاصلا بهذا التكلف المرهق للمسامع و المضني للأذهان والعقول في مجلس يقتضي كل الإقبال و القبول لاعتبر هو التفيهق عينه الذي نص عليه الحديث النبوي الشريف و حذر منه، لأن من مقتضاه حب الظهور و الاستعلاء والعجب و الكبر و ما إلى ذلك، مما لايؤدي إلى خصال الموطئين أكنافا الذين يألفون و يؤلفون، إذ أهم وسيلة للألفة و التآلف هو المناسبة في التخاطب و التفاهم ببساطة العبارة و بسطة الوجه من غير تكليف و لا تكلف و لا استيلاب أو تخوف.
و الواقع أن الشيخ من حيث القوة أو الفعل له القدرة الكافية والممتازة جدا لتنضيد المصطلحات، بل تجديدها بلغة قد يكل عن فهمها فطاحلة أهل العلم والمعرفة، و مع ذلك فباعتباره وارثا في مجال الدعوة إلى الله تعالى يوظف بتلقائية ذوقية و بإقتداء سليم بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا المجال لغة قومه، لأن المخاطبين و أهل المجلس قد يكون فيهم العالم و الأمي، و شبه المثقف والمتفرنس و حتى الألكن في بعض الأحيان و من ثم فإن المناسب حينئذ هو أن يخاطبهم بحسب لغتهم المشتركة بينهم، و هي اللهجة المغربية في صيغتها العربية الدارجة غالبا، والتي قد يفهمها المغاربة قاطبة في كل جهات المغرب.
و هذا المسلك في خطاب الدعوة لدى الشيخ هو إقتداء بالرسل والأنبياء وفي مقدمتهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم و هو ما نصت عليه الآية الكريمة في قول الله تعالى " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم، فيضل الله من يشاء و يهدي من يشاء و هو العزيز الحكيم"[12] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_edn12)
و قد ورد في كتب السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم " علم ألسنة العرب، فكان يخاطب كل أمة منها بلسانها و يحاورها بلغتها و يباريها في منزع بلاغتها حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه و تفسير قوله"[13] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_edn13) حسب ما أورده القاضي عياض في كتابه الشفا، إذ عرض لنماذج من خطابات الرسول صلى الله عليه و سلم مع أهل الحجاز و نجد و همذان . . الخ. لكن الغالب على لهجته كان هو لغة قومه لغلبة حضوره بينهم ضرورة.
و هذا المسلك في الدعوة هو لتحقيق المناسبة و التواصل و التآلف،
و هو من أسرار الاستقطاب، و مظهر من مظاهر خفض الجناح للمؤمنين
و الطالبين للحق حتى يستأنسوا بالداعية و بالتالي تقبل دعوته بكل حمولتها من المفاهيم و المضامين و الأحكام و المصطلحات.
فالخطاب المصطنع في الدعوة ليس هو العامل الرئيسي في تبليغها
و تحقيق قبولها، لأن الصنعة المتكلفة فيها تكون تضييقا لمجالها، و تفريغا لها من قوالبها، و بالتالي مؤدية إلى احتكارها، و الادعاء بالاستفراد بمفاهيمها و معانيها، و من هنا قد يكون التقليد الأعمى أو النفور الأعشى مما يؤدي في النهاية إلى قصور في فهم الدعوة أو حرمان من فضلها.
و إذا رجعنا إلى النظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصلته بصنائع الخطاب فإننا نجده خال عنها بتاتا، سواء فيما يتعلق بنشوئه الأولي الذي تميز بالأمية المطلقة و فراغ ذهنه من أية مسموعات صناعية، أو فيما يخص مرحلة بلوغه واكتمال مخيلته و أهليته للتحمل و الأداء مع ملازمة الأمية له كمعجزة خاصة به، و دالة على صدق دعوته، إذ في كلتي المرحلتين تميز تكوينه المعرفي بنفي صنعة التعليم الإنساني عنه و خاصة في مجال الشعر و اللغات الأعجمية، كما يقول الله تعالى "و ما علمناه الشعر و ما ينبغي له"[14] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_edn14) و أيضا " لسان الذي يلحدون إليه أعجمي و هذا لسان عربي مبين"[15] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_edn15)
إذ الشعر تكلف للخطاب و تشدق به، و من هنا فلا يصح للدعوة من حيث هي طريق عملي شامل، و إن كان يصلح في بعض الأحيان للإنشاد وتحريك المشاعر و الوجدانات على سبيل الاستعارات و الأمثلة لمن يفهمها و يتجاوب معها خاصة، أو قد يكون للمدح و الهجاء لمقابلة المثل بالمثل كمسألة حسان بن ثابت الذي كان ينوب عن النبي r في الرد على الكفار وهجائهم و إبراز فضائل الإسلام و خصال النبي r ، بلغة شعرية صناعية أو نثرية سجعية و ما إلى ذلك، إلا أن خطاب الدعوة الرسمي يبقى خارج إطار الصنعة لأنه تكلف وخاصية غير ضرورية في مجال الدعوة التي تشمل أصحاب الحكمة و الموعظة و الجدل، و بالتالي فإن الدعوة لها خاصيتها العملية و الالتزامية و الإيحائية لا يقتضيها و لا يمتلكها الشعر أو الأوجه الأخرى من الأدبيات و نظم المختارات من الأبيات.
و من الخطأ و النقص في الوعي أن تنقل لهجة من الخليج العربي
أو باكستان و إيران مثلا بصفتها الصناعية لكي توظف في المغرب على مستوى شعبي، إضافة إلى خلفياتها المذهبية و صورها الاسقاطية، إذ عامة الناس لا يكادون يفهمون اللهجة المشتركة بين بعض مناطق بلدهم الوحيد، وبالأحرى أن يفهموا لهجة المناطق الأخرى خارجه و حتى إذا فهموها فإنهم قد يستثقلونها أو يستهجنونها، خاصة إذا تكلم بها مغربي نشأ في بلدهم وترعرع فيه، فإذا به بين سفرة و أخرى يأتي بلهجة جديدة كأنه قد حطه السيل من عل، بل الأدهى من هذا هو أن تنقل اللهجات مع البدلات والعطورات، مما يعني تكليفا مصطنعا، و إحداث تبعية إقليمية عمياء باسم اتباع السنة أو السلفية و ما إلى ذلك، فيبدل الجلباب بالقشاب و العمائم بالطرابيش و المناديل بل حتى اللحية قد تصبح ذات مواصفات لا يسلم بسنيتها إلا إذا كانت على عادة أهل هذا البلد أو ذاك كنموذج اللحية الكثة الوارد وصف صاحبها و منطقته في صحيح البخاري: كتاب الأنبياء من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، بينما في الحقيقة أن تلك المظاهر لا علاقة لها بالسنة و لا بالدعوة من حيث هي دعوة، و إنما المقصد منها لباسا هو ستر العورة و التزيي بزي الحشمة و الوقار لا غير، و لو رجعنا بالبحث في شكل لباس الرسول صلى الله عليه وسلم و صحابته لوجدنا أن اللباس آنذاك كان يختلف كثيرا عما هو عليه نحن الآن من حيث دقة الصنعة و الحبكة و من حيث الليونة. . . الخ و تبقى الغاية هي الموحدة بين لباس الماضي والحاضر ألا و هو الستر و النظافة بلباس الحياء والحشمة . و من هنا فإن الذين لا يسلمون بعالِمية الداعية إلا إذا كان ذا أدوات صناعية فرعية مستحدثة بعد الخطاب الأصلي للدعوة كتابا و سنة، قد يقعون من حيث يريدون أو لا يعبرون فيما وقع للمغرورين من بعض زعماء المناطقة

ومفتوني الفلسفة حينما قالوا "إن التصور الذي ليس ببديهي لا ينال إلا بالحد" و هو ما يرد به عليهم ابن تيمية ردا موافقا لما صبونا إليه من تأكيد أن العالمية لا تكون بعلوم الآلة كما سماها الغزالي، لأنها غير مقصودة لذاتها و إنما تكون بجواهر العلوم و مكنوناتها من حيث هي مطلوبة في ذاتها، و أشرفها معرفة الله تعالى.
و من مقتطفات هذا الرد نجد ابن تيمية يقول" و من المعلوم أن علوم بني آدم عامتهم وخاصتهم حاصلة بدون ذلك، فبطل قولهم " إن المعرفة متوقفة عليها" أما الأنبياء فلا ريب في استغنائهم عنها، و كذلك أتباع الأنبياء من العلماء" و يضيف قائلا " فإذا كان حذاق بني آدم في كل فن من العلم أحكموه بدون هذه الحدود المتكلفة بطل دعوى توقف المعرفة عليها؟. وأما علوم بني آدم الذين لا يصنفون الكتب فهي مما لا يحصيه إلا الله، ولهم من البصائر والمكاشفات والتحقيق والمعارف ما ليس لأهل هذه الحدود المتكلفة، فكيف يجوز أن تكون معرفة الأشياء متوقفة عليها".[16] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_edn16)
فليس الإكثار من التأليف و ارتقاء المنابر و التفوق عند التناظر هو الشرط الرئيسي في التأهيل الدعوي، و لكن الأمر أعمق من هذا بكثير و أدق منه سنذكر بعض عناصره لاحقا إن شاء الله تعالى، إذ لو فرضنا هذه الشروط الصناعية في الدعوة لنال الإقصاء جل الصحابة من قائمة الدعاة، لأن أغلبهم لم يصنف كتابا في الفقه، و لا صدرت منه فتاوي مستقلة، و لا كان من الوعاظ على المنابر أو مناظرا في المدرجات و المنتديات، و لكنهم مع ذلك كانوا قدوة للدعاة فيمن جاء بعدهم، و التسليم لهم بالأفضلية في التقوى والدعوة من باب كمال الإيمان والصدق في حب الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا صحابته و خريجي مدرسته الخالدة .
إن عالِمية الشيخ تتجلى خصيصا في هذه المناسبة بين حال الداعية
و خطاب الدعوة، و استعداد المدعوين و زمن الدعوة و مكانها و هذا ضرب من الوعي الدعوي الإسلامي الراقي و الذوقي، لأنه لا يتحدث إلا بلغة قومه و على مستواهم، و لا يلهج إلا بلهجتهم، و من ثم كسب قبول و إقبال العلماء و المثقفين، كما كسب فهم الأميين و أشباههم من كلا الجنسين، لأن دعوته عامة و خطابه متناسب مع وعي قومه و تطلعهم، كما أن منهجه عملي أكثر مما هو صناعي ودعائي.
ومن المستغرب لدى المعترضين على عالِمية الشيخ هو أنهم - مع الأسف الشديد - يقفون عند لهجة الداعية و لا ينظرون إلى مضمونها الدعوي وغايتها و بذلك يقفون بالنظر عند أصبع الإشارة فلا يتعدى بصرهم إلى الذات المشار إليها، و لو أنهم كانوا موضوعيين و طالبي حق من حيث المبدأ لأدركوا ببساطة أن لهجة الداعية ليست سوى آلة توصيلية و ذات بعد إشاري محض و أن المقصود في الدعوة هو ما تقتضيه من التزام للنص القرآني والسنة النبوية، ابتداء و انتهاء كما قد يردد في عدة مرات مقصد الدعوة لديه و قاعدتها بقول الله تعالى "و ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا"[17] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_edn17).
فالشيخ و إن لم يكن يتحدث في المجالس العامة أو الخاصة بلغة صناعية و صخب و عظي إلا أنه مع ذلك يبلغ خطابه و توجيهاته بمقتضى الحال إلى القلوب بلغة سلسة عذبة تتوزع على القلوب بطريقة ذوقية، فيشرب من معينها كل واحد بحسب احتياجه و تصديقه له، فيصير مجلسه مورد أحوال و ليس مجرد أقوال، و بالتالي يتحقق كمال الدعوة و الصحبة كما يقول ابن عطاء الله السكندري "لا تصحب من لا ينهضك حاله و لا يدلك على الله مقاله" والله مطهر القلوب ومجدد الأحوال.

قائمة المصادر والمراجع






[1] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ednref1) - سورة البقرة آية 126.

[2] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ednref2) - رواه الإمام أحمد

[3] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ednref3) - رواه أبو داود في كتاب الملاحم.

[4] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ednref4) - سورة الرعد، آية 12.

[5] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ednref5) - سورة الحديد أية 16 - 17.

[6] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ednref6) - رواه البخاري.

[7] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ednref7) عبد الوهاب الشعراني:كشف االغمة عن جميع الأمة ،مطبعة محمد علي صبيح وأولاده بمصرج1ص114

[8] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ednref8) الغزالي :إحياء علوم الدين دار الكتب العلمية بيروت ج3 ص262

[9] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ednref9) - سورة فصلة، آية 32 - 33.

[10] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ednref10) - سورة النحل، آية 125.

[11] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ednref11) - سورة يوسف، آية 108.

[12] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ednref12) - سورة إبراهيم، آية 5.

[13] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ednref13) - القاضي عياض، الشفا بتعريف حقوق المصطفى، دار الفكر بيروت ج1 - ص 70.

[14] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ednref14) سورة يس، آية 68

[15] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ednref15) - سورة النحل، آية 103.

[16] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ednref16) - ابن تيمية، مجموع فتاوى المنطق 9. ص 44 - 47.

[17] (http://titwani.com/forum/newthread.php?do=newthread&f=44#_ednref17) سورة الحشر، آية 7.