حلم العرب
02-21-2008, 06:29 PM
إن استعمال كلمة جامعة للمؤسسة الدراسية الكبرى، هو إطلاق معاصر لم يعهد في القديم إذ كانت هذه المؤسسات تسمى "المسجد الجامع" أي الذي يجمع أهل المدينة أو "مسجد الجامع".
وهكذا أطلق اسم المسجد الكبير الذي يجمع المؤمنين والمعلمين على أكبر مؤسسة علمية، فقالوا جامع بغداد، وجامع دمشق وجامع الأزهر وجامع الزيتونة وجامع القرويين، أما المسجد فهو مكان الصلاة في الغالب، وقد تلقى فيه بعض الدروس الأولية أو الخاصة، كما قد يلقي فيه الأستاذ محاضراته إذا كان بجوار منزله.
والمسجد الجامع، تقام به صلاة الجمعة، وقد كان محفلاً لإعلان البيعة ولإخبار المؤمنين بأمر من الأمور لتشاع في الرأي العام، ولِيُبَلِّغ الشاهد الغائب.
وقد أُثير جدل أدبي في الثلاثينيات بين بعض المستشرقين المدرسين بمعهد الدراسة العليا بالرباط وبعض علماء الشباب حول كلمة كلية القرويين أو جامعة القرويين، وهو النعت الذي أصبح يطلق على القرويين. وكانت حجة المستشرقين أن القرويين لم تصبح مركزاً دراسياً مستقطباً للدراسات إلا في عهد بني مرين، وهو رأي لا تؤيده وظيفة الجامع في الإسلام، حيث كان مكاناً للصلاة وللتعليم معاً.
وقد خصّ المغاربة الجامع ببناءات إضافية بجانبه، كالمدرسة لإيواء الطلبة، والمرصد الفلكي، وخزانة الكتب والمسيد لتعليم الأطفال، ومقصورة القاضي.
ويطلق اليوم على جامع القرويين (جامعة القرويين) نظراً لوجود كليات تابعة لها على غرار الجامعات العصرية.
فجامعة القرويين تضم كلية أصول الدين بتطوان، وكلية اللغة العربية بمراكش، وكلية الشريعة بفاس وأگادير، وبذلك هيمنت على كلية ابن يوسف العتيقة بمراكش، وليتها ظلت كلية للفلسفة الإسلامية في بلد ابن طفيل وابن رشد وأبناء زهر.
ما قبل القرويين
الدراسة العلمية في المغرب قبل القرويين
كانت سجلماسة حاضرة علم قبل فاس بكثير، وفي الجزء الأول من كتاب الدرر البهية والجواهر النبوية ص 63 لأبي العلاء العلوي عن القاضي عياض في مداركه > أن أعلام سجلماسة من أخذ عن الإمام مالك بالمدينة ورجع إليها ودرس العلوم بها وبقيت مأوى الصالحين والعلماء والأمراء < ويقول بعد هذا النقل أن سجلماسة قاعدة بلاد المغرب قبل فاس، ودار الملك منذ عمرت قبل حلول الأدارسة الحسنيين بهذا القطر المغربي بقريب من أربعين سنة، وذلك عام أربعين ومائة (140) ولم يتقدم لأهلها كفر، ولم تزل من ذلك الوقت آهلة بالعلماء والصلحاء، وهي أول بلاد درس العلم بها في المغرب.
ونستطيع أن نتعرف من خلال تراجم العلماء المشهورين في هذا العصر على الثقافة الإسلامية ومكانتها، فمنهم أبو جيدة اليزغيني إمام المذهب ومؤلف وثائق الشافعية، المتوفى سنة 360، وجاء في جذوة الاقتباس (ص 121) وفي نيل الابتهاج وفي الغرباء أن أبا ميمونة دَرَّاس (نسبة لكثرة الدرس) من علماء مدينة فاس، أخذ عن أبي بكر اللباد، ورحل إلى المشرق وحج ولقى على بن أبي مطر بالإسكندرية ورجع إلى مسقط رأسه فاساً حيث توفي سنة سبعة وخمسين وثلاثمائة (357) وقد شد إليه الرحلة أبو زيد صاحب الرسالة الملقب بمالك الصغير وأخذ عنه، ودراس هو الذي أدخل فقه مالك إلى المغرب الذي كان الغالب على أهله مذهب الأوزاعي، وأعتقد أن دراس إنما دعم المذهب المالكي في المغرب، وإلا فقد نشره قبله من أعلام الفقه المغربي يحيى الليثي وسحنون في إفريقيا وزيادة بن عبد الرحمن في الأندلس.
وفي سلوة الأنفاس، (الجزء الثاني ص 176) في ترجمة دراس بن إسماعيل الفاسي من أهل مدينة فاس وممن أدخل مذهب مالك، رضي اللَّه عنه، بلاد المغرب وكان الغالب عليها في القديم مذهب الكوفيين، وسمي دراساً لكثرة دراسته للعلم وهو ممن تقدم عصره وشهر فضله، سمع من شيوخ بلده فاساً ورحل إلى المشرق فحج وجال في الأندلس وإفريقية ولقى جماعة من العلماء... روى الحديث وقرأ الفقه وسمع بإفريقيا عن أبي زيد وأبي الحسن القابسي وغيرهما، ودخل أيضاً الأندلس مجاهداً وطالباً وتردد بها في الثغر فسمع منه أبو الفرج عبدوس بن خلف بن أبي جعفر، وغير واحد. وقال عياض في (المدارك) أراه دخل بلدنا فقد حدث عنه أقوام من كبارهم وكان رحمه اللَّه على مذهب مالك وأصحابه. ولما وصل إلى القيروان شهد له حفاظ المغرب وأهل الفضل والدين بالإمامة، واطَّلَع الناس من حفظه على أمر عظيم حتى كان يقال : ليس في وقته أحفظ منه، وكان نزوله بها عند تفوقه على ابن أبي زيد وظهور علماء القيروان وشفوفه على كثير منهم. وقد قال أبو بكر المالكي : كان أبو ميمونة من الحفاظ المعدودين والأئمة المبرزين من أهل الفضل والدين. كما ترجم ابن الفرضي السجلماسي وترجم القاضـي عيــاض فــي المــدارك لأحمـد بـن خلـف المسيلـي المتوفـى بقرطبة سنة 393، وترجم في الديباج المذهب ص (92) لإبراهيم بن عثمان أبي القاسم الوزاني المتوفى سنة 346... ويذكر ابن الفرضي (150) ترجمة لأحمد بن الفتح الميلي المعروف بابن الحراز وإبراهيم بن عثمان أبو القاسم الوزان م 362. كما أن من علماء المغرب في هذه الحقبة أبو عمران الفاسي المتوفى سنة 430 هجرية، ومن أعلامها أيضاً عبد اللَّه بن محمد بن إبراهيم الأصيلي المنسوب إلى (أصيلا) وهو أحد أفراد أسرة علمية مشهورة، مالكي المذهب، له كتاب في اختلاف الأئمة (أي مالك والشافعي وأبي حنيفة) سماه "الدلائل على أمهات المسائل" توفي سنة 392 كما ذكر ابن الفرضي في تاريخ علماء الأندلس (ج الأول ص 208)، وفي الغرباء ونقلها ياقوت الحموي في معجم البلدان (ص 278) الجزء الأول.
كما أدخل المذهب المالكي إلى المغرب أبو عبد اللَّه محمد بن محمود الهواري قاضي فاس، المعلق على المدونة، المتوفى سنة 401 هـ.
الشخصية العلمية في القرويين
ولقد كانت الشخصية العلمية المغربية بارزة في القرويين في العصر الإدريسي، كما كان العلماء الذين يدرسون بالمغرب يرحلون إلى المشرق ليعطوا وليأخذوا، كما كان المذهب الفقهي وهو المذهب الاجتماعي في البلاد، وقد تبلور فيما كتبه أعلامه الذين احتفظوا بالأعراف والعوائد المكونة لشخصية البلاد فـي كتـب النوازل والأحكـام، وفـي كتـاب القاضـي عيـاض "أزهار الرياض" ما يدل على أن مدرسة فاس الفقهية كان لها أسلوب خاص في تحليل المدونة على طريقة خاصة تعتمد على المناقشات اللفظية وضبط الروايات وتصحيحها. وشاهد العصر الإدريسي ازدهاراً أدبياً كبيراً، وكان إدريس الثاني من شعراء عصره، ويذكر ابن الأبار آثاراً أدبية للقاسم بن إدريس، كما يذكر البكري قصائد لشعراء برابرة طوعوا اللغة العربية لتعابيرهم الشعرية. وفي كتاب "المسالك والممالك" قصائد للنكوري وسعيد بن هشام المصمودي وبكر بن حماد وغيرهم.
والواقع أن المذهب المالكي انتشر في المغرب كله، وفي حوض البحر المتوسط ووسط إفريقيا، نظراً لأن الفقهاء من الحجاج حملوه إلى المغرب عن طريق زيارتهم للحجاز، وكان الإمام يحيى الليثي من تلامذة الإمام مالك. وساعدت دواعي السياسة على انتشار مذهب مالك، وأهمها موقف الإمام مالك من بيعة العلويين، ومنها تردد المغاربة على مكة والمدينة معقل المذهب المالكي، وأيضاً لمرونة المذهب الأصولية المقرة للمصالح المرسلة، ولصلابته في الأحوال الشخصية... وقد ركز الأدارسة هذا المذهب وعززوه في المغرب بتوليتهم لتلميذ مالك وسفيان الثوري، محمد بن سعيد القيسي المالكي، كما ركزه في الأندلس يحيى الليثي حين ولي القضاء بها.
واستمر عصر الأدارسة نحو قرنين تقريباً، ولم تستقر البلاد أثناءه لعدم تمركز الحكومة مع اتساع رقعتها، مما أحدث تضعضعاً اقتصادياً... وكانت حدود الدولة تمتد حيناً إلى بلاد السنغال، وتتقلص أحياناً في قلعة حجر النسر ونواحي البصرة وطنجة... علاوة على الفتن المتوالية التي يوقدها أعداء الدولة من البرغواطيين والعبيديين والخوارج والأمويين والأندلسيين. ولهذا عانت دولة المولى إدريس الثاني أزمات مالية، ومع ذلك لم ترهق السكان بنفقات غير شرعية، واكتفت بالنصيب الشرعي، وعمل اليهود على إضعاف الخزينة بأساليبهم لأنهم كانوا يؤيدون الخلافة في بغداد ويعملون على تشويه سمعة الأدارسة... وقد طبع المولى إدريس عملة شرعية ضربت في مدينة فاس، تحتفظ باريس بقطعة منها في قسم المسكوكات بمعهد الآثار.
فاس مدينة القرويين
يذكر بعض المؤرخين العرب أن فاساً أصلها ساف مقلوبة، ويستأنس له بمجاورتها للأنهار، كما يستأنس له بوجود مدينة أخرى تسمى أسفي، فاللفظة من حيث مادة حروفها متقاربة ودالة على أصلها البربري القديم. ويرى بعض اللغويين أن اللغة البربرية تغير في الجمع شكل الكلمة، وتزيد النون في الآخر في جمع المذكر وجمع التكبير معاً، ويمثلون بذلك فأفوس الذي يجمع أفاسن، كما أن بعض المؤرخين العرب يرون أن للكلمة أصلاً إسلامياً ويروون في ذلك حديثاً لا مصدر لصحته.
وأصبحت فاس كما وصفها المراكشي > حاضرة المغرب وموقع العلم منه، اجتمع فيها علم القيروان وعلم قرطبة... وحل من هذه وهذه من فيهما من العلماء من كل طبقة فراراً من الفتنة، فنزل أكثرهم بفاس فهي اليوم على غاية الحضارة وأهلها في غاية الكيس والظرف ولغتهم أفصح اللغات في ذلك الإقليم. ومازلت أسمع المشائخ يدعونها بغداد المغرب... وعرفت فاس في عصورها الأولى مئات المساجد والمدارس والسقايات العمومية والحمامات ودور الوضوء... كما في زهرة الآس (ص 33).
وذكر گوستاف لوبون أن مدينة فاس كانت تزاحم بغداد في القرن العاشر الميلادي، فكان بها نصف مليون نسمة و 800 مسجد وخزانة حافلة بالمخطوطات اليونانية واللاتينية. ويذكر "هولوجي روسو" أنه اشترى من فاس مخطوطة نادرة من عشاريات (تتليف) حول التاريخ الروماني. وقد ذكر "دلفان" (ص 81) أن هذه الخزانة كانت تحتوي على 30.000 مجلد، وذكر "گودار" (المغرب 2 ص 376) أن يعقوب المريني استرجع من المسيحيين عدداً من المصنفات العربية وأهداها إلى القرويين، وذكر "ميلي" (الموحدين، ص 101) أن يعقوب الموحدي كانت له خزانة تضاهي مكتبة الخليفة الأموي الحكم الثاني، وفي عهد المولى زيدان السعدي اختلس قنصل فرنسي أربعة آلاف مخطوط عربي وباعها لإسبانيا، فكانت من نواة الإسكوريال.
ووصف "غابريال شارم" مدينة فاس بأنها أول مدينة مقدسة بعد مكة وأنها كانت مركز القوة العربية في عنفوان ازدهارها، والعاصمة الفكرية والروحية للمغرب الإسلامي، بفضل معاهدها الخالدة ومساجدها الماجدة، وذكر "مارسي" أن إفريقية نفسها، وهي الوطن العتيق لعلماء الإسلام، أصبحت تتتلمذ لبرابرة المغرب، وشبه علي باي العباسي هذه المدينة بأثينا لوفرة علمائها، ومعاهدها.
وهكذا أطلق اسم المسجد الكبير الذي يجمع المؤمنين والمعلمين على أكبر مؤسسة علمية، فقالوا جامع بغداد، وجامع دمشق وجامع الأزهر وجامع الزيتونة وجامع القرويين، أما المسجد فهو مكان الصلاة في الغالب، وقد تلقى فيه بعض الدروس الأولية أو الخاصة، كما قد يلقي فيه الأستاذ محاضراته إذا كان بجوار منزله.
والمسجد الجامع، تقام به صلاة الجمعة، وقد كان محفلاً لإعلان البيعة ولإخبار المؤمنين بأمر من الأمور لتشاع في الرأي العام، ولِيُبَلِّغ الشاهد الغائب.
وقد أُثير جدل أدبي في الثلاثينيات بين بعض المستشرقين المدرسين بمعهد الدراسة العليا بالرباط وبعض علماء الشباب حول كلمة كلية القرويين أو جامعة القرويين، وهو النعت الذي أصبح يطلق على القرويين. وكانت حجة المستشرقين أن القرويين لم تصبح مركزاً دراسياً مستقطباً للدراسات إلا في عهد بني مرين، وهو رأي لا تؤيده وظيفة الجامع في الإسلام، حيث كان مكاناً للصلاة وللتعليم معاً.
وقد خصّ المغاربة الجامع ببناءات إضافية بجانبه، كالمدرسة لإيواء الطلبة، والمرصد الفلكي، وخزانة الكتب والمسيد لتعليم الأطفال، ومقصورة القاضي.
ويطلق اليوم على جامع القرويين (جامعة القرويين) نظراً لوجود كليات تابعة لها على غرار الجامعات العصرية.
فجامعة القرويين تضم كلية أصول الدين بتطوان، وكلية اللغة العربية بمراكش، وكلية الشريعة بفاس وأگادير، وبذلك هيمنت على كلية ابن يوسف العتيقة بمراكش، وليتها ظلت كلية للفلسفة الإسلامية في بلد ابن طفيل وابن رشد وأبناء زهر.
ما قبل القرويين
الدراسة العلمية في المغرب قبل القرويين
كانت سجلماسة حاضرة علم قبل فاس بكثير، وفي الجزء الأول من كتاب الدرر البهية والجواهر النبوية ص 63 لأبي العلاء العلوي عن القاضي عياض في مداركه > أن أعلام سجلماسة من أخذ عن الإمام مالك بالمدينة ورجع إليها ودرس العلوم بها وبقيت مأوى الصالحين والعلماء والأمراء < ويقول بعد هذا النقل أن سجلماسة قاعدة بلاد المغرب قبل فاس، ودار الملك منذ عمرت قبل حلول الأدارسة الحسنيين بهذا القطر المغربي بقريب من أربعين سنة، وذلك عام أربعين ومائة (140) ولم يتقدم لأهلها كفر، ولم تزل من ذلك الوقت آهلة بالعلماء والصلحاء، وهي أول بلاد درس العلم بها في المغرب.
ونستطيع أن نتعرف من خلال تراجم العلماء المشهورين في هذا العصر على الثقافة الإسلامية ومكانتها، فمنهم أبو جيدة اليزغيني إمام المذهب ومؤلف وثائق الشافعية، المتوفى سنة 360، وجاء في جذوة الاقتباس (ص 121) وفي نيل الابتهاج وفي الغرباء أن أبا ميمونة دَرَّاس (نسبة لكثرة الدرس) من علماء مدينة فاس، أخذ عن أبي بكر اللباد، ورحل إلى المشرق وحج ولقى على بن أبي مطر بالإسكندرية ورجع إلى مسقط رأسه فاساً حيث توفي سنة سبعة وخمسين وثلاثمائة (357) وقد شد إليه الرحلة أبو زيد صاحب الرسالة الملقب بمالك الصغير وأخذ عنه، ودراس هو الذي أدخل فقه مالك إلى المغرب الذي كان الغالب على أهله مذهب الأوزاعي، وأعتقد أن دراس إنما دعم المذهب المالكي في المغرب، وإلا فقد نشره قبله من أعلام الفقه المغربي يحيى الليثي وسحنون في إفريقيا وزيادة بن عبد الرحمن في الأندلس.
وفي سلوة الأنفاس، (الجزء الثاني ص 176) في ترجمة دراس بن إسماعيل الفاسي من أهل مدينة فاس وممن أدخل مذهب مالك، رضي اللَّه عنه، بلاد المغرب وكان الغالب عليها في القديم مذهب الكوفيين، وسمي دراساً لكثرة دراسته للعلم وهو ممن تقدم عصره وشهر فضله، سمع من شيوخ بلده فاساً ورحل إلى المشرق فحج وجال في الأندلس وإفريقية ولقى جماعة من العلماء... روى الحديث وقرأ الفقه وسمع بإفريقيا عن أبي زيد وأبي الحسن القابسي وغيرهما، ودخل أيضاً الأندلس مجاهداً وطالباً وتردد بها في الثغر فسمع منه أبو الفرج عبدوس بن خلف بن أبي جعفر، وغير واحد. وقال عياض في (المدارك) أراه دخل بلدنا فقد حدث عنه أقوام من كبارهم وكان رحمه اللَّه على مذهب مالك وأصحابه. ولما وصل إلى القيروان شهد له حفاظ المغرب وأهل الفضل والدين بالإمامة، واطَّلَع الناس من حفظه على أمر عظيم حتى كان يقال : ليس في وقته أحفظ منه، وكان نزوله بها عند تفوقه على ابن أبي زيد وظهور علماء القيروان وشفوفه على كثير منهم. وقد قال أبو بكر المالكي : كان أبو ميمونة من الحفاظ المعدودين والأئمة المبرزين من أهل الفضل والدين. كما ترجم ابن الفرضي السجلماسي وترجم القاضـي عيــاض فــي المــدارك لأحمـد بـن خلـف المسيلـي المتوفـى بقرطبة سنة 393، وترجم في الديباج المذهب ص (92) لإبراهيم بن عثمان أبي القاسم الوزاني المتوفى سنة 346... ويذكر ابن الفرضي (150) ترجمة لأحمد بن الفتح الميلي المعروف بابن الحراز وإبراهيم بن عثمان أبو القاسم الوزان م 362. كما أن من علماء المغرب في هذه الحقبة أبو عمران الفاسي المتوفى سنة 430 هجرية، ومن أعلامها أيضاً عبد اللَّه بن محمد بن إبراهيم الأصيلي المنسوب إلى (أصيلا) وهو أحد أفراد أسرة علمية مشهورة، مالكي المذهب، له كتاب في اختلاف الأئمة (أي مالك والشافعي وأبي حنيفة) سماه "الدلائل على أمهات المسائل" توفي سنة 392 كما ذكر ابن الفرضي في تاريخ علماء الأندلس (ج الأول ص 208)، وفي الغرباء ونقلها ياقوت الحموي في معجم البلدان (ص 278) الجزء الأول.
كما أدخل المذهب المالكي إلى المغرب أبو عبد اللَّه محمد بن محمود الهواري قاضي فاس، المعلق على المدونة، المتوفى سنة 401 هـ.
الشخصية العلمية في القرويين
ولقد كانت الشخصية العلمية المغربية بارزة في القرويين في العصر الإدريسي، كما كان العلماء الذين يدرسون بالمغرب يرحلون إلى المشرق ليعطوا وليأخذوا، كما كان المذهب الفقهي وهو المذهب الاجتماعي في البلاد، وقد تبلور فيما كتبه أعلامه الذين احتفظوا بالأعراف والعوائد المكونة لشخصية البلاد فـي كتـب النوازل والأحكـام، وفـي كتـاب القاضـي عيـاض "أزهار الرياض" ما يدل على أن مدرسة فاس الفقهية كان لها أسلوب خاص في تحليل المدونة على طريقة خاصة تعتمد على المناقشات اللفظية وضبط الروايات وتصحيحها. وشاهد العصر الإدريسي ازدهاراً أدبياً كبيراً، وكان إدريس الثاني من شعراء عصره، ويذكر ابن الأبار آثاراً أدبية للقاسم بن إدريس، كما يذكر البكري قصائد لشعراء برابرة طوعوا اللغة العربية لتعابيرهم الشعرية. وفي كتاب "المسالك والممالك" قصائد للنكوري وسعيد بن هشام المصمودي وبكر بن حماد وغيرهم.
والواقع أن المذهب المالكي انتشر في المغرب كله، وفي حوض البحر المتوسط ووسط إفريقيا، نظراً لأن الفقهاء من الحجاج حملوه إلى المغرب عن طريق زيارتهم للحجاز، وكان الإمام يحيى الليثي من تلامذة الإمام مالك. وساعدت دواعي السياسة على انتشار مذهب مالك، وأهمها موقف الإمام مالك من بيعة العلويين، ومنها تردد المغاربة على مكة والمدينة معقل المذهب المالكي، وأيضاً لمرونة المذهب الأصولية المقرة للمصالح المرسلة، ولصلابته في الأحوال الشخصية... وقد ركز الأدارسة هذا المذهب وعززوه في المغرب بتوليتهم لتلميذ مالك وسفيان الثوري، محمد بن سعيد القيسي المالكي، كما ركزه في الأندلس يحيى الليثي حين ولي القضاء بها.
واستمر عصر الأدارسة نحو قرنين تقريباً، ولم تستقر البلاد أثناءه لعدم تمركز الحكومة مع اتساع رقعتها، مما أحدث تضعضعاً اقتصادياً... وكانت حدود الدولة تمتد حيناً إلى بلاد السنغال، وتتقلص أحياناً في قلعة حجر النسر ونواحي البصرة وطنجة... علاوة على الفتن المتوالية التي يوقدها أعداء الدولة من البرغواطيين والعبيديين والخوارج والأمويين والأندلسيين. ولهذا عانت دولة المولى إدريس الثاني أزمات مالية، ومع ذلك لم ترهق السكان بنفقات غير شرعية، واكتفت بالنصيب الشرعي، وعمل اليهود على إضعاف الخزينة بأساليبهم لأنهم كانوا يؤيدون الخلافة في بغداد ويعملون على تشويه سمعة الأدارسة... وقد طبع المولى إدريس عملة شرعية ضربت في مدينة فاس، تحتفظ باريس بقطعة منها في قسم المسكوكات بمعهد الآثار.
فاس مدينة القرويين
يذكر بعض المؤرخين العرب أن فاساً أصلها ساف مقلوبة، ويستأنس له بمجاورتها للأنهار، كما يستأنس له بوجود مدينة أخرى تسمى أسفي، فاللفظة من حيث مادة حروفها متقاربة ودالة على أصلها البربري القديم. ويرى بعض اللغويين أن اللغة البربرية تغير في الجمع شكل الكلمة، وتزيد النون في الآخر في جمع المذكر وجمع التكبير معاً، ويمثلون بذلك فأفوس الذي يجمع أفاسن، كما أن بعض المؤرخين العرب يرون أن للكلمة أصلاً إسلامياً ويروون في ذلك حديثاً لا مصدر لصحته.
وأصبحت فاس كما وصفها المراكشي > حاضرة المغرب وموقع العلم منه، اجتمع فيها علم القيروان وعلم قرطبة... وحل من هذه وهذه من فيهما من العلماء من كل طبقة فراراً من الفتنة، فنزل أكثرهم بفاس فهي اليوم على غاية الحضارة وأهلها في غاية الكيس والظرف ولغتهم أفصح اللغات في ذلك الإقليم. ومازلت أسمع المشائخ يدعونها بغداد المغرب... وعرفت فاس في عصورها الأولى مئات المساجد والمدارس والسقايات العمومية والحمامات ودور الوضوء... كما في زهرة الآس (ص 33).
وذكر گوستاف لوبون أن مدينة فاس كانت تزاحم بغداد في القرن العاشر الميلادي، فكان بها نصف مليون نسمة و 800 مسجد وخزانة حافلة بالمخطوطات اليونانية واللاتينية. ويذكر "هولوجي روسو" أنه اشترى من فاس مخطوطة نادرة من عشاريات (تتليف) حول التاريخ الروماني. وقد ذكر "دلفان" (ص 81) أن هذه الخزانة كانت تحتوي على 30.000 مجلد، وذكر "گودار" (المغرب 2 ص 376) أن يعقوب المريني استرجع من المسيحيين عدداً من المصنفات العربية وأهداها إلى القرويين، وذكر "ميلي" (الموحدين، ص 101) أن يعقوب الموحدي كانت له خزانة تضاهي مكتبة الخليفة الأموي الحكم الثاني، وفي عهد المولى زيدان السعدي اختلس قنصل فرنسي أربعة آلاف مخطوط عربي وباعها لإسبانيا، فكانت من نواة الإسكوريال.
ووصف "غابريال شارم" مدينة فاس بأنها أول مدينة مقدسة بعد مكة وأنها كانت مركز القوة العربية في عنفوان ازدهارها، والعاصمة الفكرية والروحية للمغرب الإسلامي، بفضل معاهدها الخالدة ومساجدها الماجدة، وذكر "مارسي" أن إفريقية نفسها، وهي الوطن العتيق لعلماء الإسلام، أصبحت تتتلمذ لبرابرة المغرب، وشبه علي باي العباسي هذه المدينة بأثينا لوفرة علمائها، ومعاهدها.