فارس الكلمة
10-20-2006, 12:43 AM
في علاقة 'الحاضر' ب 'الماضي'، و'الجديد' ب 'القديم'، هناك
نماذج ثقافية ثلاثة ، فيها طرفا غلو، وبينهما الوسط العدل
المتوازن.. الذي يزكيه الاسلام:
(أ) هناك غلو الإفراط الذي يمثله الجمود والتقليد، ذلك الذي لا يميز
في الاعتصام بالماضي، بين الثوابت وبين المتغيرات، بين الإلهي
وبين البشري، بين المناهج وبين التجارب والتطبيقات.. فيضفي
القداسة والثبات علي الماضي جميعه، حتي ليكاد أهله ان يهاجروا
إليه مديرين ظهورهم للحاضر والمستقبل والجديد..
(ب)وهناك غلو تفريط 'الحداثة' بالمعني الغربي وهي التي أثمرتها
فلسفة التنوير الغربي اللادينية، والتي أقامت قطيعة معرفية مع
الدين، عندما عزلت شرائعه عن ضبط شئون العمران، وحررت
السلوك البشري من أحكامه، وحالت بين السماء وبين تدبير
الارض والعالم.. وكما يقول أحد دعاتها 'فإن التنوير قد مثل القطيعة
الابستمولوجية الكبري التي تفصل بين عصرين من الروح البشرية:
عصر الخلاصة اللاهوتية للقديس توما الاكويني، وعصر الموسوعة
لفلاسفة التنوير'.
(ج) وبين غلوي الإفراط والتفريط في علاقة الحاضر بالماضي
والجديد بالقديم يأتي النموذج الثقافي الإسلامي .. بوسطيته
المتوازنة، فيعتمد 'التجديد' الذي هو تطور من داخل النسق، يميز
بين الثوابت والمتغيرات في الموروث، فيفتح الباب للتطور مع
الاحتفاظ بالمعالم والسمات التي أعطت وتعطي النسق الحضاري
خصوصيته المميزة له عن الأنساق الحضارية الاخري.. فيواكب كل
المستجدات، دون أن تتبدل 'هويته'، أو يفقد 'بصمته'، التي تمثل
'مبادئه' و 'مناهجه' و 'حكمه' و 'مقاصده' ويعتمد 'الاجتهاد'، الذي
يستنبط 'أحكام الفروع' من 'المباديء والاصول'، فيمد الاغصان
الجديدة لتظلل المساحات المستجدة، في ارتباط بالأصول التي
تسري روحها وتشيع ضوابطها وتتحقق مقاصدها في كل اجتهاد
جديد.. فيتم به 'النمو' الدائم، مع الاحتفاظ 'بالشخصية' التي
يمثلها هذا النسق الفكري و'الحضاري'.
وفي النموذج الثقافي الاسلامي يبلغ 'التجديد' مرتبة 'السنة.. والقانون'
لأن تمثيل هذا النموذج للشريعة الخاتمة يستدعي 'التجديد' فيه، حتي
لا ينسخها التطور ويطوي صفحتها.. ولأن 'عالمية' هذه الشريعة
الخاتمة لا تستدعي، هي الاخري، 'التجديد' الذي يستجيب لجديد الامم
والبقاع والعادات والأعراف.. وعن هذه 'السنة'.. 'والقانون'، يقول
رسول الله، صلي الله عليه وسلم: 'يبعث الله لهذه الأمة علي رأس
كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها'.. فبه تتم 'أسلمة الجديد'.. وبه تتجدد
المنابع، عندما يزال عنها طواريء البدع التي تحد من فاعليتها في
التوليد والإبداع..
وفي هذا النموذج الثقافي الاسلامي، ايضا، يبلغ 'الاجتهاد' مرتبة
الفريضة، ولا يقف عند مجرد كونه حقا من الحقوق!..
وبجناحي 'التجديد' و 'الاجتهاد' يحلق العقل العربي والمسلم، عبر
الزمان والمكان، ملتزما المعالم والمنارات التي مثلت وتمثل
خصائص النموذج الثقافي الاسلامي والتي أشرنا إلي نماذج
هامة منها فيعيش 'الحاضر'، ويستشرف 'المستقبل'، دون أن يقع
في إفراط الجمود والتقليد، أو تفريط القطيعة مع المنابع والثوابت
والأصول.
***
وإذا كانت 'الحاجة' هي أم 'الاختراع'، و 'الضرورة' هي الحافز علي
'الإبداع'، فإن الإيمان بوجود خصوصية للنموذج الثقافي الاسلامي
تميزه عن 'الآخر' هي الحافز علي التوليد والإبداع في النموذج
الثقافي وبدون الإيمان بهذه الخصوصية، فإن الكسل العقلي سيغرقنا
في مستنقع التقليد.. تقليد الماضي، والجمود علي تجارب أهله.. أو
تقليد 'الآخر'، والجمود علي نماذجه، والقطيعة المعرفية مع نموذجنا
الثقافي العربي الاسلامي وماله من خصوصيات.
والله أعلم.
فارس الكلمة
نماذج ثقافية ثلاثة ، فيها طرفا غلو، وبينهما الوسط العدل
المتوازن.. الذي يزكيه الاسلام:
(أ) هناك غلو الإفراط الذي يمثله الجمود والتقليد، ذلك الذي لا يميز
في الاعتصام بالماضي، بين الثوابت وبين المتغيرات، بين الإلهي
وبين البشري، بين المناهج وبين التجارب والتطبيقات.. فيضفي
القداسة والثبات علي الماضي جميعه، حتي ليكاد أهله ان يهاجروا
إليه مديرين ظهورهم للحاضر والمستقبل والجديد..
(ب)وهناك غلو تفريط 'الحداثة' بالمعني الغربي وهي التي أثمرتها
فلسفة التنوير الغربي اللادينية، والتي أقامت قطيعة معرفية مع
الدين، عندما عزلت شرائعه عن ضبط شئون العمران، وحررت
السلوك البشري من أحكامه، وحالت بين السماء وبين تدبير
الارض والعالم.. وكما يقول أحد دعاتها 'فإن التنوير قد مثل القطيعة
الابستمولوجية الكبري التي تفصل بين عصرين من الروح البشرية:
عصر الخلاصة اللاهوتية للقديس توما الاكويني، وعصر الموسوعة
لفلاسفة التنوير'.
(ج) وبين غلوي الإفراط والتفريط في علاقة الحاضر بالماضي
والجديد بالقديم يأتي النموذج الثقافي الإسلامي .. بوسطيته
المتوازنة، فيعتمد 'التجديد' الذي هو تطور من داخل النسق، يميز
بين الثوابت والمتغيرات في الموروث، فيفتح الباب للتطور مع
الاحتفاظ بالمعالم والسمات التي أعطت وتعطي النسق الحضاري
خصوصيته المميزة له عن الأنساق الحضارية الاخري.. فيواكب كل
المستجدات، دون أن تتبدل 'هويته'، أو يفقد 'بصمته'، التي تمثل
'مبادئه' و 'مناهجه' و 'حكمه' و 'مقاصده' ويعتمد 'الاجتهاد'، الذي
يستنبط 'أحكام الفروع' من 'المباديء والاصول'، فيمد الاغصان
الجديدة لتظلل المساحات المستجدة، في ارتباط بالأصول التي
تسري روحها وتشيع ضوابطها وتتحقق مقاصدها في كل اجتهاد
جديد.. فيتم به 'النمو' الدائم، مع الاحتفاظ 'بالشخصية' التي
يمثلها هذا النسق الفكري و'الحضاري'.
وفي النموذج الثقافي الاسلامي يبلغ 'التجديد' مرتبة 'السنة.. والقانون'
لأن تمثيل هذا النموذج للشريعة الخاتمة يستدعي 'التجديد' فيه، حتي
لا ينسخها التطور ويطوي صفحتها.. ولأن 'عالمية' هذه الشريعة
الخاتمة لا تستدعي، هي الاخري، 'التجديد' الذي يستجيب لجديد الامم
والبقاع والعادات والأعراف.. وعن هذه 'السنة'.. 'والقانون'، يقول
رسول الله، صلي الله عليه وسلم: 'يبعث الله لهذه الأمة علي رأس
كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها'.. فبه تتم 'أسلمة الجديد'.. وبه تتجدد
المنابع، عندما يزال عنها طواريء البدع التي تحد من فاعليتها في
التوليد والإبداع..
وفي هذا النموذج الثقافي الاسلامي، ايضا، يبلغ 'الاجتهاد' مرتبة
الفريضة، ولا يقف عند مجرد كونه حقا من الحقوق!..
وبجناحي 'التجديد' و 'الاجتهاد' يحلق العقل العربي والمسلم، عبر
الزمان والمكان، ملتزما المعالم والمنارات التي مثلت وتمثل
خصائص النموذج الثقافي الاسلامي والتي أشرنا إلي نماذج
هامة منها فيعيش 'الحاضر'، ويستشرف 'المستقبل'، دون أن يقع
في إفراط الجمود والتقليد، أو تفريط القطيعة مع المنابع والثوابت
والأصول.
***
وإذا كانت 'الحاجة' هي أم 'الاختراع'، و 'الضرورة' هي الحافز علي
'الإبداع'، فإن الإيمان بوجود خصوصية للنموذج الثقافي الاسلامي
تميزه عن 'الآخر' هي الحافز علي التوليد والإبداع في النموذج
الثقافي وبدون الإيمان بهذه الخصوصية، فإن الكسل العقلي سيغرقنا
في مستنقع التقليد.. تقليد الماضي، والجمود علي تجارب أهله.. أو
تقليد 'الآخر'، والجمود علي نماذجه، والقطيعة المعرفية مع نموذجنا
الثقافي العربي الاسلامي وماله من خصوصيات.
والله أعلم.
فارس الكلمة