حلم العرب
01-28-2008, 02:08 AM
http://manaratalhikma.jeeran.com/dddddddddddddddddddddddddddddddddddddddddddddddd.J PG
متابعة الدراسة الجامعية بفرنسا
...ومع بداية السنة الدراسية (1979 –1980م) غادرت مطار طنجة متجها نحو باريس طلبا للعلم والمعرفة.ثم قصدت جامعة السوربون، وولجت مكتب تسجيل الطلبة الجدد حيث تم قبولي في شعبة علم الاجتماع، تخصص الأنتربولوجيا الاجتماعية والثقافية. وبعد سنة من البحث والدراسة، أحرزت على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في موضوع " دراسة حول الوضعية القانونية للعمال المغاربة المهاجرين بفرنسا".
ومما أثار انتباهي فور وصولي إلى باريس، اهتمام كثير من الكتاب الفرنسيين بالإسلام وقضايا المسلمين السياسية والاجتماعية، خاصة بعد اندلاع الثورة الإيرانية، التي وصلت أصداؤها إلى أسماع كل المواطنين، كما تسابقت الصحف إلى نشر أخبارها ووصف أحداثها ووقائعها. وقد دفع هذا الحدث التاريخي كثيرا من المعاهد والمؤسسات الثقافية، وكذا المتخصصين في موضوع الإسلام وشؤون المسلمين، إلى مزيد من البحث في هذا الموضوع، فلم تمض سنة واحدة حتى أضحت واجهات المكتبات الباريسية مليئة بالمؤلفات والدراسات حول الإسلام دينا وثقافة وسياسة، كما لاحظت فيما بعد إقبال كثير من الطلبة الفرنسيين على شعبة الدراسات الإسلامية في جامعة السوربون.
وذات صباح ركبت قطار المترو قاصدا معهد الدراسات العليا الشرقية لكي أحضر درس الأستاذ ميشال شولدفيتسك حول التصوف الإسلامي. ولما دخلت قاعة الدرس، وجدتها غاصة بالطلبة والباحثين المغرمين بالفكر الصوفي. عندما أخذت مقعدي كان الأستاذ على وشك الانتهاء من مقدمة تتعلق بكتاب عوارف المعارف للسهروردي المتصوف، والحاضرون ينصتون إليه في خشوع كأن على رؤوسهم الطير. ثم شرع في قراءة نص طويل من الكتاب المذكور وأتبعه بترجمة فورية.
لم يكن الأستاذ الباحث ميشال شولديفيسك وحيدا في هذا المجال، بل هناك عشرات من الباحثين والأساتذة ممن يهتمون بالموضوع نفسه. ويبدو أن موضوع التصوف قد تبوأ مكانة لا بأس بها في الجامعات، والمعاهد، والمؤسسات والجمعيات الثقافية، التي تهتم بدراسة الحضارات الشرقية.كما أن دخول الفرنسيين في الإسلام غالبا ما يتم من باب التصوف. وهذا يسري حسب اطلاعي علي معظم الغربيين الذين اختاروا الإسلام دينا جديدا، ذلك لأنهم يلتجئون إلى الحياة الصوفية فارين من لهيب الحياة المادية. ولا يستغرب المرء عندما يسمع بوجود فرنسيين منتسبين إلى زاوية أو طريقة صوفية معينة. ولقد التقيت بمجموعة منهم ينتسبون إلى شيخ يعيش في دمشق و يقومون بزيارته عندما يشتاقون إليه، كما التقيت بآخرين لهم علاقة قوية بالزاوية البودشيشية ببركان.
وكما مال كثير من الفرنسيين إلى التصوف الإسلامي، بحثا عن السكينة وهروبا من جحيم الحياة المادية المعقدة، اختار آخرون عقائد الهند ودياناتها خاصة اليوغا والبوذية، فأسسوا نوادي ومقرات لمزاولة نشاطهم الديني والروحي. ولقد رأيت مجموعة من أتباع هذه العقائد، وقد حلقوا رؤوسهم ولبسوا ثيابا صفراء طويلة وهم يتجولون في شوارع باريس، مرتلين ومرددين لبعض العبارات مثل هاري كريشنا هاري … وعبارات أخرى لا أذكرها. وغني عن البيان أن الحياة في العواصم والمدن الكبرى الغربية لا تخلو من هذه الظواهر الفكرية والاجتماعية الشاذة التي تعبر عن التناقضات الحادة المميزة لطبيعة المجتمعات الغربية المعاصرة.
ولقد كنت من ناحية أخرى حريصا على حضور دروس ومحاضرات بعض كبار الأساتذة المتخصصين في الأنتربولوجيا الاجتماعية والثقافية؛ وعلى رأسهم الأستاذ كلود ليفي ستراوس الذي بلور الأنتربولوجيا البنيوية كما بلور نظريات كثيرة في ميدان الفلسفة البنيوية عموما. كما كنت أستمع الى دروس الأستاذ جورج بلاندييه المتخصص في الأنتربولوجيا السياسية، وكذا الى دروس ميشيل فوكو المتعلقة بفلسفة المعرفة، ومحاضرات الأنتربولوجي المستشرق جاك بيرك والأستاذ الأنتربولوجي أندريه آدم. ولقد كنت معجبا بهؤلاء الأساتذة الكبار، ومنكبا على قراءة وفهم ما كتبوه من كتب ومقالات، كما كنت منبهرا بالأساليب والطرق والمناهج العلمية التي يوظفونها في تحليل نظرياتهم وأبحاثهم.
بيد أن رياح التصوف هبت على حين غرة، فتغيرت الوجهة ومال القلب الى نسمات المعرفة الروحية.
متابعة الدراسة الجامعية بفرنسا
...ومع بداية السنة الدراسية (1979 –1980م) غادرت مطار طنجة متجها نحو باريس طلبا للعلم والمعرفة.ثم قصدت جامعة السوربون، وولجت مكتب تسجيل الطلبة الجدد حيث تم قبولي في شعبة علم الاجتماع، تخصص الأنتربولوجيا الاجتماعية والثقافية. وبعد سنة من البحث والدراسة، أحرزت على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في موضوع " دراسة حول الوضعية القانونية للعمال المغاربة المهاجرين بفرنسا".
ومما أثار انتباهي فور وصولي إلى باريس، اهتمام كثير من الكتاب الفرنسيين بالإسلام وقضايا المسلمين السياسية والاجتماعية، خاصة بعد اندلاع الثورة الإيرانية، التي وصلت أصداؤها إلى أسماع كل المواطنين، كما تسابقت الصحف إلى نشر أخبارها ووصف أحداثها ووقائعها. وقد دفع هذا الحدث التاريخي كثيرا من المعاهد والمؤسسات الثقافية، وكذا المتخصصين في موضوع الإسلام وشؤون المسلمين، إلى مزيد من البحث في هذا الموضوع، فلم تمض سنة واحدة حتى أضحت واجهات المكتبات الباريسية مليئة بالمؤلفات والدراسات حول الإسلام دينا وثقافة وسياسة، كما لاحظت فيما بعد إقبال كثير من الطلبة الفرنسيين على شعبة الدراسات الإسلامية في جامعة السوربون.
وذات صباح ركبت قطار المترو قاصدا معهد الدراسات العليا الشرقية لكي أحضر درس الأستاذ ميشال شولدفيتسك حول التصوف الإسلامي. ولما دخلت قاعة الدرس، وجدتها غاصة بالطلبة والباحثين المغرمين بالفكر الصوفي. عندما أخذت مقعدي كان الأستاذ على وشك الانتهاء من مقدمة تتعلق بكتاب عوارف المعارف للسهروردي المتصوف، والحاضرون ينصتون إليه في خشوع كأن على رؤوسهم الطير. ثم شرع في قراءة نص طويل من الكتاب المذكور وأتبعه بترجمة فورية.
لم يكن الأستاذ الباحث ميشال شولديفيسك وحيدا في هذا المجال، بل هناك عشرات من الباحثين والأساتذة ممن يهتمون بالموضوع نفسه. ويبدو أن موضوع التصوف قد تبوأ مكانة لا بأس بها في الجامعات، والمعاهد، والمؤسسات والجمعيات الثقافية، التي تهتم بدراسة الحضارات الشرقية.كما أن دخول الفرنسيين في الإسلام غالبا ما يتم من باب التصوف. وهذا يسري حسب اطلاعي علي معظم الغربيين الذين اختاروا الإسلام دينا جديدا، ذلك لأنهم يلتجئون إلى الحياة الصوفية فارين من لهيب الحياة المادية. ولا يستغرب المرء عندما يسمع بوجود فرنسيين منتسبين إلى زاوية أو طريقة صوفية معينة. ولقد التقيت بمجموعة منهم ينتسبون إلى شيخ يعيش في دمشق و يقومون بزيارته عندما يشتاقون إليه، كما التقيت بآخرين لهم علاقة قوية بالزاوية البودشيشية ببركان.
وكما مال كثير من الفرنسيين إلى التصوف الإسلامي، بحثا عن السكينة وهروبا من جحيم الحياة المادية المعقدة، اختار آخرون عقائد الهند ودياناتها خاصة اليوغا والبوذية، فأسسوا نوادي ومقرات لمزاولة نشاطهم الديني والروحي. ولقد رأيت مجموعة من أتباع هذه العقائد، وقد حلقوا رؤوسهم ولبسوا ثيابا صفراء طويلة وهم يتجولون في شوارع باريس، مرتلين ومرددين لبعض العبارات مثل هاري كريشنا هاري … وعبارات أخرى لا أذكرها. وغني عن البيان أن الحياة في العواصم والمدن الكبرى الغربية لا تخلو من هذه الظواهر الفكرية والاجتماعية الشاذة التي تعبر عن التناقضات الحادة المميزة لطبيعة المجتمعات الغربية المعاصرة.
ولقد كنت من ناحية أخرى حريصا على حضور دروس ومحاضرات بعض كبار الأساتذة المتخصصين في الأنتربولوجيا الاجتماعية والثقافية؛ وعلى رأسهم الأستاذ كلود ليفي ستراوس الذي بلور الأنتربولوجيا البنيوية كما بلور نظريات كثيرة في ميدان الفلسفة البنيوية عموما. كما كنت أستمع الى دروس الأستاذ جورج بلاندييه المتخصص في الأنتربولوجيا السياسية، وكذا الى دروس ميشيل فوكو المتعلقة بفلسفة المعرفة، ومحاضرات الأنتربولوجي المستشرق جاك بيرك والأستاذ الأنتربولوجي أندريه آدم. ولقد كنت معجبا بهؤلاء الأساتذة الكبار، ومنكبا على قراءة وفهم ما كتبوه من كتب ومقالات، كما كنت منبهرا بالأساليب والطرق والمناهج العلمية التي يوظفونها في تحليل نظرياتهم وأبحاثهم.
بيد أن رياح التصوف هبت على حين غرة، فتغيرت الوجهة ومال القلب الى نسمات المعرفة الروحية.