اسامه المصرى
04-03-2007, 05:23 PM
القواعد الفقهيّة الضّابطة لأحكام الضّرر
لقد عنى الفقهاء كثيراً بدراسة موضوع الضّرر ومعالجة آثاره ، وذلك لما له من أهمّيّة بالغة في استقرار العلاقات بين النّاس ، وقعّدوا لذلك مجموعةً من القواعد الفقهيّة الكلّيّة تضبطه ، وتوضّح معالمه العامّة وتنظّم آثاره ، وأهمّ هذه القواعد هي :
الضّرر يزال :
أصل هذه القاعدة قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » لا ضرر ولا ضرار « ويبتنى على هذه القاعدة كثير من أبواب الفقه فمن ذلك الرّدّ بالعيب ، وجميع أنواع الخيارات ، والحجر بسائر أنواعه ، والشّفعة ، وما إلى ذلك .
ويتعلّق بهذه القاعدة قواعد :
الأولى : الضّرورات تبيح المحظورات :
ومن ثمّ جاز أكل الميتة عند المخمصة وإساغة اللّقمة بالخمر .
وزاد الشّافعيّة على هذه القاعدة : " بشرط عدم نقصانها عنها " .
الثّانية : ما أبيح للضّرورة يقدّر بقدرها :
ومن فروعها : المضطرّ لا يأكل من الميتة إلاّ قدر سدّ الرّمق ، والطّعام في دار الحرب يؤخذ على سبيل الحاجة ، لأنّه إنّما أبيح للضّرورة ، قال في الكنز : وينتفع فيها بعلف وطعام وحطب وسلاح ودهن بلا قسمة ، وبعد الخروج منها لا ينتفع بها وما فضل ردّ إلى الغنيمة.
الضّرر لا يزال بمثله :
هذه القاعدة مقيّدة لقاعدة " الضّرر يزال " بمعنى أنّ الضّرر مهما كان واجب الإزالة ، فإزالته إمّا بلا ضرر أصلاً أو بضرر أخفّ منه ، كما هو مقتضى قاعدة " الضّرر الأشدّ يزال بالأخفّ " وأمّا إزالة الضّرر بضرر مثله أو أشدّ فلا يجوز ، وهذا غير جائز عقلاً - أيضاً - لأنّ السّعي في إزالته بمثله عبث .
ومن فروع هذه القاعدة ما لو أكره على قتل المسلم بالقتل مثلاً لا يجوز لأنّ هذا إزالة الضّرر بضرر مثله ، بخلاف أكل ماله فإنّه إزالة الضّرر بما هو أخفّ .
ومنها لو ابتلعت دجاجة لؤلؤةً ، أو أدخل البقر رأسه في قدر ، أو أودع فصيلاً فكبر في بيت المودع ولم يمكن إخراجه إلاّ بهدم الجدار ، أو كسر القدر ، أو ذبح الدّجاجة ، يضمن صاحب الأكثر قيمة الأقلّ ، لأنّ الأصل أنّ الضّرر الأشدّ يزال بالأخفّ .
يتحمّل الضّرر الخاصّ لدفع الضّرر العامّ :
هذه القاعدة مقيّدة لقاعدة " الضّرر لا يزال بمثله " أي لا يزال الضّرر بالضّرر إلاّ إذا كان أحدهما عامّاً والآخر خاصّاً ، فيتحمّل حينئذ الضّرر الخاصّ لدفع الضّرر العامّ .
وهذه قاعدة مهمّة من قواعد الشّرع مبنيّة على المقاصد الشّرعيّة في مصالح العباد استخرجها المجتهدون من الإجماع ومعقول النّصوص ، قال الأتاسيّ نقلاً عن الغزاليّ : إنّ الشّرع إنّما جاء ليحفظ على النّاس دينهم وأنفسهم وعقولهم وأنسابهم وأموالهم ، فكلّ ما يكون بعكس هذا فهو مضرّة يجب إزالتها ما أمكن وإلاّ فتأييداً لمقاصد الشّرع يدفع في هذا السّبيل الضّرر الأعمّ بالضّرر الأخصّ .
إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفّهما :
هذه القاعدة وقاعدة " الضّرر الأشدّ يزال بالأخفّ " وقاعدة " يختار أهون الشّرّين " متّحدات والمسمّى واحد وإن اختلف التّعبير وما يتفرّع عليها يتفرّع على أختيها .
ومن فروعها جواز شقّ بطن الميتة لإخراج الولد إذا كانت ترجى حياته .
استعمال الحقّ بالنّظر إلى ما يؤوّل إليه من أضرار :
يقول الشّاطبيّ : جلب المصلحة أو دفع المفسدة إذا كان مأذوناً فيه على ضربين : أحدهما : أن لا يلزم عنه إضرار الغير .
والثّاني : أن يلزم عنه ذلك ، وهذا ضربان :
أحدهما : أن يقصد الجالب أو الدّافع ذلك الإضرار كالمرخّص في سلعته قصداً لطلب معاشه ، وصحبه قصد الإضرار بالغير .
والثّاني : أن لا يقصد إضراراً بأحد ، وهو قسمان :
أحدهما : أن يكون الإضرار عامّاً كتلقّي السّلع وبيع الحاضر للبادي والامتناع عن بيع داره أو فدّانه ، وقد اضطرّ إليه النّاس لمسجد جامع أو غيره .
والثّاني : أن يكون خاصّاً وهو نوعان :
أحدهما : أن يلحق الجالب أو الدّافع بمنعه من ذلك ضرر ، فهو محتاج إلى فعله ، كالدّافع عن نفسه مظلمةً يعلم أنّها تقع بغيره ، أو يسبق إلى شراء طعام ، أو ما يحتاج إليه ، أو إلى صيد أو حطب أو ماء أو غيره عالماً أنّه إذا حازه تضرّر غيره بعدمه ، ولو أخذ من يده تضرّر .
والثّاني : أن لا يلحقه بذلك ضرر وهو على ثلاثة أنواع :
الأوّل : ما يكون أداؤه إلى المفسدة قطعيّاً ، أعني القطع العادي كحفر البئر خلف الدّار في الظّلام ، بحيث يقع الدّاخل فيه ، وشبه ذلك .
والثّاني : ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادراً كحفر البئر بموضع لا يؤدّي غالباً إلى وقوع أحد فيه ، وأكل الأغذية الّتي غالباً لا تضرّ أحداً وما أشبه ذلك .
والثّالث : ما يكون أداؤه إلى المفسدة كثيراً لا نادراً وهو على وجهين :
أحدهما : أن يكون غالباً كبيع السّلاح من أهل الحرب ، والعنب من الخمّار ، وما يغشّ به ممّن شأنه الغشّ ، ونحو ذلك .
والثّاني : أن يكون كثيراً لا غالباً كمسائل بيوع الآجال .
فهذه ثمانية أقسام .
القسم الأوّل : استعمال الحقّ بحيث لا يلزم عنه مضرّة :
استعمال الحقّ إذا لم يلزم عنه مضرّة بالغير ، حكمه أنّه باق على أصله من الإذن ولا إشكال فيه ولا حاجة إلى الاستدلال عليه لثبوت الدّليل على الإذن ابتداءً .
القسم الثّاني : استعمال الحقّ بقصد الإضرار بالغير :
لا إشكال في منع القصد إلى الإضرار من حيث هو إضرار لثبوت الدّليل على أنّه : » لا ضرر ولا ضرار في الإسلام « .
والضّابط الكلّيّ في استعمال الحقّ هو ما ذكره الغزاليّ حيث يقول : أن لا يحبّ لأخيه إلاّ ما يحبّ لنفسه ، فكلّ ما لو عومل به شقّ عليه وثقل على قلبه فينبغي أن لا يعامل به غيره . وجاء في معين الحكّام في شرح حديث » لا ضرر ولا ضرار « فنهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يتعمّد أحدهما الإضرار بصاحبه وعن أن يقصدا ذلك جميعاً .
وفيما يلي نذكر بعض الفروع الفقهيّة تطبيقاً لهذا النّوع من استعمال الحقّ :
الإضرار في الوصيّة :
روى الدّارقطنيّ من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما مرفوعاً : » الإضرار في الوصيّة من الكبائر « .
وورد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : » إنّ الرّجل ليعمل والمرأة بطاعة اللّه ستّين سنةً ثمّ يحضرهما الموت فيضارّان في الوصيّة فتجب لهما النّار « قال شهر بن حوشب - راوي الحديث - ثمّ قرأ عليّ أبو هريرة : { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ } إلى قوله : { وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .
والإضرار في الوصيّة تارةً يكون بأن يخصّ بعض الورثة بزيادة على فرضه الّذي فرضه اللّه له فيتضرّر بقيّة الورثة بتخصيصه ، ولهذا قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا وصيّة لوارث « .
وتارةً بأن يوصي لأجنبيّ بزيادة على الثّلث فينقص حقوق الورثة ، ولهذا قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » الثّلث ، والثّلث كثير « ومتى أوصى لوارث أو لأجنبيّ بزيادة على الثّلث لم ينفذ ما أوصى به إلاّ بإجازة الورثة .
الإضرار بالرّجعة :
من طلّق زوجته ثمّ راجعها وكان قصده بالرّجعة المضارّة فإنّه آثم بذلك ، وقد نهى اللّه سبحانه وتعالى عن هذا التّصرّف بقوله : { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } .
يقول الطّبريّ في تفسير هذه الآية : ولا تراجعوهنّ إن راجعتموهنّ في عددهنّ مضارّةً لهنّ لتطوّلوا عليهنّ مدّة انقضاء عددهنّ ، أو لتأخذوا منهنّ بعض ما آتيتموهنّ بطلبهنّ الخلع منكم لمضارّتكم إيّاهنّ ، بإمساككم إيّاهنّ ومراجعتكموهنّ ضراراً واعتداءً .
وبهذا تبيّن أنّ اللّه سبحانه وتعالى نهى الأزواج أن يمسكوا زوجاتهم بقصد إضرارهنّ بتطويل العدّة ، أو أخذ بعض مالهنّ ، والنّهي يفيد التّحريم فتكون الرّجعة محرّمةً في هذه الحالة .
ومن صور الإضرار : الإيلاء ، وغيبة الزّوج ، والحبس ، فيفرّق بين الزّوجين دفعاً للضّرر ، بشروطه على تفصيل وخلاف فيه .
الإضرار في الرّضاع :
إن رغبت الأمّ في إرضاع ولدها أجيبت وجوباً سواء كانت مطلّقةً أم في عصمة الأب على قول جمهور الفقهاء ، لقوله تعالى : { لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا } والمنع من إرضاع ولدها مضارّة لها .
وقيل : إن كانت الأمّ في حبال
منقووووووووول
لقد عنى الفقهاء كثيراً بدراسة موضوع الضّرر ومعالجة آثاره ، وذلك لما له من أهمّيّة بالغة في استقرار العلاقات بين النّاس ، وقعّدوا لذلك مجموعةً من القواعد الفقهيّة الكلّيّة تضبطه ، وتوضّح معالمه العامّة وتنظّم آثاره ، وأهمّ هذه القواعد هي :
الضّرر يزال :
أصل هذه القاعدة قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » لا ضرر ولا ضرار « ويبتنى على هذه القاعدة كثير من أبواب الفقه فمن ذلك الرّدّ بالعيب ، وجميع أنواع الخيارات ، والحجر بسائر أنواعه ، والشّفعة ، وما إلى ذلك .
ويتعلّق بهذه القاعدة قواعد :
الأولى : الضّرورات تبيح المحظورات :
ومن ثمّ جاز أكل الميتة عند المخمصة وإساغة اللّقمة بالخمر .
وزاد الشّافعيّة على هذه القاعدة : " بشرط عدم نقصانها عنها " .
الثّانية : ما أبيح للضّرورة يقدّر بقدرها :
ومن فروعها : المضطرّ لا يأكل من الميتة إلاّ قدر سدّ الرّمق ، والطّعام في دار الحرب يؤخذ على سبيل الحاجة ، لأنّه إنّما أبيح للضّرورة ، قال في الكنز : وينتفع فيها بعلف وطعام وحطب وسلاح ودهن بلا قسمة ، وبعد الخروج منها لا ينتفع بها وما فضل ردّ إلى الغنيمة.
الضّرر لا يزال بمثله :
هذه القاعدة مقيّدة لقاعدة " الضّرر يزال " بمعنى أنّ الضّرر مهما كان واجب الإزالة ، فإزالته إمّا بلا ضرر أصلاً أو بضرر أخفّ منه ، كما هو مقتضى قاعدة " الضّرر الأشدّ يزال بالأخفّ " وأمّا إزالة الضّرر بضرر مثله أو أشدّ فلا يجوز ، وهذا غير جائز عقلاً - أيضاً - لأنّ السّعي في إزالته بمثله عبث .
ومن فروع هذه القاعدة ما لو أكره على قتل المسلم بالقتل مثلاً لا يجوز لأنّ هذا إزالة الضّرر بضرر مثله ، بخلاف أكل ماله فإنّه إزالة الضّرر بما هو أخفّ .
ومنها لو ابتلعت دجاجة لؤلؤةً ، أو أدخل البقر رأسه في قدر ، أو أودع فصيلاً فكبر في بيت المودع ولم يمكن إخراجه إلاّ بهدم الجدار ، أو كسر القدر ، أو ذبح الدّجاجة ، يضمن صاحب الأكثر قيمة الأقلّ ، لأنّ الأصل أنّ الضّرر الأشدّ يزال بالأخفّ .
يتحمّل الضّرر الخاصّ لدفع الضّرر العامّ :
هذه القاعدة مقيّدة لقاعدة " الضّرر لا يزال بمثله " أي لا يزال الضّرر بالضّرر إلاّ إذا كان أحدهما عامّاً والآخر خاصّاً ، فيتحمّل حينئذ الضّرر الخاصّ لدفع الضّرر العامّ .
وهذه قاعدة مهمّة من قواعد الشّرع مبنيّة على المقاصد الشّرعيّة في مصالح العباد استخرجها المجتهدون من الإجماع ومعقول النّصوص ، قال الأتاسيّ نقلاً عن الغزاليّ : إنّ الشّرع إنّما جاء ليحفظ على النّاس دينهم وأنفسهم وعقولهم وأنسابهم وأموالهم ، فكلّ ما يكون بعكس هذا فهو مضرّة يجب إزالتها ما أمكن وإلاّ فتأييداً لمقاصد الشّرع يدفع في هذا السّبيل الضّرر الأعمّ بالضّرر الأخصّ .
إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفّهما :
هذه القاعدة وقاعدة " الضّرر الأشدّ يزال بالأخفّ " وقاعدة " يختار أهون الشّرّين " متّحدات والمسمّى واحد وإن اختلف التّعبير وما يتفرّع عليها يتفرّع على أختيها .
ومن فروعها جواز شقّ بطن الميتة لإخراج الولد إذا كانت ترجى حياته .
استعمال الحقّ بالنّظر إلى ما يؤوّل إليه من أضرار :
يقول الشّاطبيّ : جلب المصلحة أو دفع المفسدة إذا كان مأذوناً فيه على ضربين : أحدهما : أن لا يلزم عنه إضرار الغير .
والثّاني : أن يلزم عنه ذلك ، وهذا ضربان :
أحدهما : أن يقصد الجالب أو الدّافع ذلك الإضرار كالمرخّص في سلعته قصداً لطلب معاشه ، وصحبه قصد الإضرار بالغير .
والثّاني : أن لا يقصد إضراراً بأحد ، وهو قسمان :
أحدهما : أن يكون الإضرار عامّاً كتلقّي السّلع وبيع الحاضر للبادي والامتناع عن بيع داره أو فدّانه ، وقد اضطرّ إليه النّاس لمسجد جامع أو غيره .
والثّاني : أن يكون خاصّاً وهو نوعان :
أحدهما : أن يلحق الجالب أو الدّافع بمنعه من ذلك ضرر ، فهو محتاج إلى فعله ، كالدّافع عن نفسه مظلمةً يعلم أنّها تقع بغيره ، أو يسبق إلى شراء طعام ، أو ما يحتاج إليه ، أو إلى صيد أو حطب أو ماء أو غيره عالماً أنّه إذا حازه تضرّر غيره بعدمه ، ولو أخذ من يده تضرّر .
والثّاني : أن لا يلحقه بذلك ضرر وهو على ثلاثة أنواع :
الأوّل : ما يكون أداؤه إلى المفسدة قطعيّاً ، أعني القطع العادي كحفر البئر خلف الدّار في الظّلام ، بحيث يقع الدّاخل فيه ، وشبه ذلك .
والثّاني : ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادراً كحفر البئر بموضع لا يؤدّي غالباً إلى وقوع أحد فيه ، وأكل الأغذية الّتي غالباً لا تضرّ أحداً وما أشبه ذلك .
والثّالث : ما يكون أداؤه إلى المفسدة كثيراً لا نادراً وهو على وجهين :
أحدهما : أن يكون غالباً كبيع السّلاح من أهل الحرب ، والعنب من الخمّار ، وما يغشّ به ممّن شأنه الغشّ ، ونحو ذلك .
والثّاني : أن يكون كثيراً لا غالباً كمسائل بيوع الآجال .
فهذه ثمانية أقسام .
القسم الأوّل : استعمال الحقّ بحيث لا يلزم عنه مضرّة :
استعمال الحقّ إذا لم يلزم عنه مضرّة بالغير ، حكمه أنّه باق على أصله من الإذن ولا إشكال فيه ولا حاجة إلى الاستدلال عليه لثبوت الدّليل على الإذن ابتداءً .
القسم الثّاني : استعمال الحقّ بقصد الإضرار بالغير :
لا إشكال في منع القصد إلى الإضرار من حيث هو إضرار لثبوت الدّليل على أنّه : » لا ضرر ولا ضرار في الإسلام « .
والضّابط الكلّيّ في استعمال الحقّ هو ما ذكره الغزاليّ حيث يقول : أن لا يحبّ لأخيه إلاّ ما يحبّ لنفسه ، فكلّ ما لو عومل به شقّ عليه وثقل على قلبه فينبغي أن لا يعامل به غيره . وجاء في معين الحكّام في شرح حديث » لا ضرر ولا ضرار « فنهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يتعمّد أحدهما الإضرار بصاحبه وعن أن يقصدا ذلك جميعاً .
وفيما يلي نذكر بعض الفروع الفقهيّة تطبيقاً لهذا النّوع من استعمال الحقّ :
الإضرار في الوصيّة :
روى الدّارقطنيّ من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما مرفوعاً : » الإضرار في الوصيّة من الكبائر « .
وورد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : » إنّ الرّجل ليعمل والمرأة بطاعة اللّه ستّين سنةً ثمّ يحضرهما الموت فيضارّان في الوصيّة فتجب لهما النّار « قال شهر بن حوشب - راوي الحديث - ثمّ قرأ عليّ أبو هريرة : { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ } إلى قوله : { وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .
والإضرار في الوصيّة تارةً يكون بأن يخصّ بعض الورثة بزيادة على فرضه الّذي فرضه اللّه له فيتضرّر بقيّة الورثة بتخصيصه ، ولهذا قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا وصيّة لوارث « .
وتارةً بأن يوصي لأجنبيّ بزيادة على الثّلث فينقص حقوق الورثة ، ولهذا قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » الثّلث ، والثّلث كثير « ومتى أوصى لوارث أو لأجنبيّ بزيادة على الثّلث لم ينفذ ما أوصى به إلاّ بإجازة الورثة .
الإضرار بالرّجعة :
من طلّق زوجته ثمّ راجعها وكان قصده بالرّجعة المضارّة فإنّه آثم بذلك ، وقد نهى اللّه سبحانه وتعالى عن هذا التّصرّف بقوله : { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } .
يقول الطّبريّ في تفسير هذه الآية : ولا تراجعوهنّ إن راجعتموهنّ في عددهنّ مضارّةً لهنّ لتطوّلوا عليهنّ مدّة انقضاء عددهنّ ، أو لتأخذوا منهنّ بعض ما آتيتموهنّ بطلبهنّ الخلع منكم لمضارّتكم إيّاهنّ ، بإمساككم إيّاهنّ ومراجعتكموهنّ ضراراً واعتداءً .
وبهذا تبيّن أنّ اللّه سبحانه وتعالى نهى الأزواج أن يمسكوا زوجاتهم بقصد إضرارهنّ بتطويل العدّة ، أو أخذ بعض مالهنّ ، والنّهي يفيد التّحريم فتكون الرّجعة محرّمةً في هذه الحالة .
ومن صور الإضرار : الإيلاء ، وغيبة الزّوج ، والحبس ، فيفرّق بين الزّوجين دفعاً للضّرر ، بشروطه على تفصيل وخلاف فيه .
الإضرار في الرّضاع :
إن رغبت الأمّ في إرضاع ولدها أجيبت وجوباً سواء كانت مطلّقةً أم في عصمة الأب على قول جمهور الفقهاء ، لقوله تعالى : { لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا } والمنع من إرضاع ولدها مضارّة لها .
وقيل : إن كانت الأمّ في حبال
منقووووووووول