حلم العرب
12-07-2008, 01:54 PM
http://www.titwani.com/forum/images/Sa.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه
أولا:معْبر تاريخي واجتماعي نحو أمريكا:
من المعلوم أن أمريكا حديثة العهد بالتاريخ،وكما يقال بأن أول من اكتشفها هو الرحالة كريستوف كولومب،لكن الآثار قد تدل على أن هناك أقواما قد سبقوه في هذا الاكتشاف وتركوا بصماتهم على هذه القارة الفتية،من بينهم العرب ولا عجب في ذلك ،لأنهم كانوا دائما رواد الرحلات والمغامرات عبر العالم ولو في بحر الظلمات أي المحيط الأطلسي كما كانوا يسمونه.
لكن الإشكالية في إثبات الأسبقية لهم قد تكمن في مسألة الذهاب والإياب.بحيث لم يكتب لأولئك السابقين فيما يبدو العودة من تلك الرحلات في بحر الظلمات الذي كان يتوهم أنه يبتلع كل من أبحر فيه،ومن هنا فلم يدوَّنوا في التاريخ على عكس حملة كريستوف كولومب التي قد عرفت الذهاب والإياب مسجلا ومؤرخا له في المدارس،وبهذا فقد اعتبر أول مستكشف للقارة الجديدة كترسيخ لهذا الادعاء بينما الحقيقة غير ذلك-كما يذهب كثير من المؤرخين المحققين-.
فلربما يكون كريستوف كولومب قد عرفها وأخفاها أو لم يكن قد توصل إليها حتى جاءت البحوث من بعده لتثبت بأن البرتغال أو الإسبان ليسوا أول من اكتشف القارة الجديدة.
المهم هو أن القارة قد اكتشفت وبالتالي توالت الرحلات وانفتحت شهية الدول الاستعمارية لاقتناص الحظ الأوفر من الكعكة البكر والطرية الغضة،فكانت بريطانيا الأكثر حضورا هناك بالقوة والاستعباد والإقصاء والتعمير،وخاصة في الجانب الشمالي من القارة عن طريق استجلاب العبيد من أفريقيا السمراء واغتصاب حريات رجالها بالتفريق بين الأبناء والآباء والأزواج والزوجات وتلاحق الأجناس وتفاوت الاعتبار بين السابقين واللاحقين حتى جاءت ثورة أو معركة بوسطن وانهزام بريطانيا وتراجعها كقوة وصية على الأمريكانيين سواء من أصل إنجليزي أو إفريقي وغيرهم،وبعدها تم رفع شعار الحرية وتأسيس الدولة الجديدة بقيادة جورج واشنطن كأول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية الحديثة.
وهكذا سيتوالى بناء هذه الدولة من منطلق صناعي وفلاحي على أكتاف العبيد الأفريقيين ومن خلال وديان عرقهم واستغلال تقطع أعراقهم لإخضاعهم بالقوة نحو العمل الشاق وحرمانهم حتى من حظهم الإنساني في النوم والراحة الطبيعية والضرورية لكل كائن حي.
لسنا الآن بصدد تفصيل المراحل التاريخية للولايات المتحدة الأمريكية عند نشأتها وتطورها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن ،ولكن كان لا بد من الإشارة إلى الوجه العام الذي ظهرت به هذه الدولة أول ما ابتدأت والمبني أساسا على مبادئ التوسع والاستعباد واستغلال طاقات الشعوب الوافدة طواعية والمستجلبة بالقوة لحساب فئة محدودة من البورجوازية الكبرى المتوحشة، والتي قد كانت وما زالت مؤهلة للتجارة في السلع المشروعة والمحرمة،وفي الحيوان والإنسان سواء كان حيا أم ميتا ما دام يمكن من خلاله جلب المال من فرائه وعظامه وأعضائه !...
فأمريكا ليست فقيرة من حيث ثرواتها كما أن المناسبة غير قائمة بين تعداد سكانها ومستوى الطلب والعرض لديها آنذاك،إلا أن طبيعة تصورها للامتلاك والاستهلاك قد انبني على قاعدة الشره غير المحدود،والذي يطبع الإنسان الطامع بغير قيود كما وصفه نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:"لو كان لابن آدم جبل من ذهب لتمنى أن يكون له جبلين ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب ".
بحيث ستصبح طبيعة تلك الفئة البورجوازية من الطبقة العليا في المجتمع الأمريكي ذات شره لا يطاق حتى لقد بدأت مطامعها ترمي إلى غزو الفضاء واستغلال مواده وخيراته إن كانت توجد هناك من مثل الذهب والماس والمعادن الثمينة تحت مبرر علمي كما يزعمون...وهذا كله قد يؤشر على وجود مرض نفسي خطير ونزعة فرعونية في بناء الصرح الذي يريد به تحدي الوجود وربه كما ذكره القرآن الكريم.
هذا الشره سيظهر على أعلى مستوياته في التطاول على الدول وابتلاعها لم تراع في ذلك دولا كبرى من صغرى أو متوسطة،قد كان من أهمها الاتحاد السوفيتي الذي كان على نمطها في نزعته التوسعية والاستعمارية والذي قد تفتت في وقت وجيز لم يكن في حسبان المؤرخين والمتتبعين للأحداث وقوعه.
عند هذه المرحلة ستزداد أطماع أمريكا وشرهها وشعاراتها نحو العولمة والنظام العالمي الجديد بزعمها وزعامتها،ولم يأخذ زعماؤها العبرة بما حدث للإتحاد السوفيتي والضربة القاصمة التي جاءته من خلال غزوه لأفغانستان البلد الفقير والمتخلف تقنيا ومدنيا.
فغزته أمريكا عقب الاتحاد السوفيتي من جديد ظانة أنه لقمة سائغة وسهلة للابتلاع ومعتقدة في شعبها الضعف والوهن والانقسام ضد نظام طالبان،ثم بعد توهم التمكن من هذا البلد الجريح ستثني بالعراق بلد الأمجاد والحضارات والقيم عبر التاريخ وبلد الأنبياء والأولياء والقباب الشامخة،وبلد بغداد والرشيد وسر من رأى.
بحيث لم تراع إلا ولا ذمة عند هذا الغزو الشنيع ولم تحترم حقوق حرب ولا سلم ولا عروبة ولا إسلام فكانت فضيحة سجن "أبو غريب" خير شاهد وشر مشهد وناطق بالصوت والصورة على فظاعة السلوك الأمريكي وزيف الديمقراطية التي يموهون بها على الناس،وبالتالي ظهرت أمريكا بوجهها القبيح والعنصري المقيت والذي قد يفرق بين الأبيض والأبيض نفسه فما بالك فيما بين الأبيض والأحمر أو الأسود.
وما خرافة تحرير العبيد في الولايات المتحدة التي زعمت في عهد الرئيس أبراهام لنكولن إلا غطاء لاستعباد كلي للجنس الأسود برمته معه الهنود الحمر،وهو ما قد تجلى في نظام الميز العنصري والمعاناة التي كابدها السود في رد اعتبارهم وذلك بشكل جماعي قد يندى له جبين تاريخ الإنسانية عن بكرة أبيها ولم يمارس له مثيل ولو في العصور الحجرية الغابرة.
بحيث من خلال هذا الميز قد كان الأمريكيون البيض يكرسون أيديولوجية استعباد السود حيثما كانوا ومن أي قارة انحدروا وبأية لغة تكلموا :"فمتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"كما عبر بصدق الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه والذي قد تربى على يد سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين بمبادئ"كلكم لآدم وآدم من تراب...لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى".
وعند العراق كان محط رحال أمريكا أو "نهاية التاريخ" حسب تنظير فوكوياما وخاصة عند سقوط الشيوعية والنظام السوفيتي بالتحديد،لأن العراق لحمه مر وقد يستعصي على الهضم بسهولة،ورجاله أحرار وليسوا بعبيد،بل إلى بلدهم قد كان يساق العبيد من الروم وفارس،وبفضل مبادئ الحرية والمساواة بين الشعوب والأجناس كما علمهم الإسلام فقد عرف الكثير منهم حريته ونبغ في شتى فنون العلم والأدب والسياسة والأحكام السلطانية. ورغم اعتبار بعضهم من الموالي فقد تقلدوا المناصب العليا في بيت الخلافة وحرروا الفلسفات والنظريات والخطط الحربية والسلمية بين أروقتها،على عكس أمريكا التي شرعت في قتل العلماء من أهل العراق والاستهانة بأعزة القوم وأشرافهم قصد الإذلال والإهانة كان على رأسهم الشهيد "صدام حسين" رئيس العراق الأبي.
فأمريكا تقتل الأبرياء من المدنيين والشرفاء من تجلة الشعب العراقي بطريقة غير مشروعة ولا عادلة والمجاهدون يصفون ويبيدون الجنود الأمريكيين بالعدل وحق الدفاع عن النفس واسترجاع الحرية التي أرادت أن تسلبهم منها كما فعلت مع السود من أفريقيا والهنود الحمر؛ السكان الأصليون في أمريكا نفسها.فهذه بتل، لكن الأولين شهداء وأبطال والآخرون أجياف وأعلاج كفرة كما كان يصفهم محمد سعيد الصحاف وزير الإعلام العراقي عند الحرب،وشتان الفرق بين مآل أحد الجانبين وغيره وغاياته.
فكان أن أصبحت الدائرة على أمريكا وانكسر شرهها وأطماعها على محراب المقاومة العراقية الباسلة والتي قعد نموذجها بالروح والدم الشهيد صدام حسين رحمه الله تعالى حينما كان يردد دائما بأن العراق سينتصر على الأمريكيين مهما طال الليل أو قصر،ومن مبدأ إن خسران حرب ليس معناه خسران معركة وهي "أم المعارك" كما كان يسميها.
وفعلا فلقد صارت أم المعارك بكل المقاييس التاريخية والعسكرية والسياسية والأخلاقية مع ما عرفته من مشاهد درامية واقعية وليست من صنعة سينمائية في هوليود،والتي قد عرت عن بشاعة وخسة النظام العالمي الجديد وبؤس الديمقراطية الغربية من خلال متزعمتها الولايات المتحدة الأمريكية .
فبالرغم من التعتيم الإعلامي الذي ضربته أمريكا في هذه الحرب القذرة لإخفاء الخسائر الفادحة التي يمنى بها -صباح مساء- الجيش الأمريكي المغرور فقد فاضت الكأس من حيث لا يشتهيه شاربها وخرج علينا بفاتورة تقدر بآلاف البلايين من الدولارات كلها خسائر وكسور وجروح وعاهات مستديمة في عمق النظام الأمريكي العدواني والفاشي،والتي لم تستطع تعويضها لا سرقة البترول ولا الآثار الحضارية الخالدة للعراق ولا أية مكاسب أخرى ذات قيمة مادية صرفة،فكانت عند هذا:الأزمة المالية الشاملة والتي قد لا ندري إلى أين ستودي بأمريكا والعالم.
ثانيا:باراك حسين وصدام حسين:أية مقاربة سياسية
للأسماء معاني و دلالات على السلوك ومجريات الواقع ،لكن الأمريكيين بنزعتهم العنصرية أبوا إلا أن يسقطوا كلمة حسين من لقب باراك،وذلك لوعيهم بما يمكن أن يثيره اسم حسين من حساسية لدى كل عنصري يكره العرب وأسماءهم البطولية كشهيد الأمة في الماضي سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما،وأيضا كشهيد العصر صدام حسين رحمه الله تعالى .
وحيث أن جورج بوش الابن وقبله الأب )السفاح ومجرم حرب –(بالمقاييس الدولية والقانونية وأيضا بالميزان الشرعي الديني-قد كان يكره صدام حسين لعروبته وشهامته فقد كان من حكمة الله تعالى أن جعل انهزام بوش أعوان مخططه العدواني على يد رجل يحمل جانبا من اسم الرجل الذي أقض مضجعه وهو: باراك حسين أوباما.
لا يهمنا هنا ما هو توجه باراك السياسي أو العقدي ولكن الذي يعنينا هو كيف استطاع هذا الرجل المنحدر من أصول إسلامية والده اسمه حسين من أن يربح الرهان ويسقط بوش الخاسر وقلعته العنصرية بشتى لوبياتها واستخباراتها ...
فبوش -الذي قد يعني بالإنجليزية الشجيرة القصيرة القزمة والمنطوية على نفسها والشعثاء- سيصبح أشعث مكفهرا وممحوقا،بل مكروها من لدن سكان العالم بعدما كان يروج في حرب العراق لتكريس كراهية هذا العالم نفسه لصدام حسين بزعم الديكتاتورية والإبادة الجماعية لشعبه ...وذلك من خلال الأكاذيب والافتراءات وتزوير الحقائق حول ما يسمى بأسلحة الدمار الشامل،لكن الحقيقة ستفند كل هذه المزاعم وسيظهر صدام حسين عند محاكمته بالباطل وعند استشهاده:بطلا مغوارا صادقا وإنسانا مسلما ثابتا على مبادئه وعقيدته،والذي سيحترمه ويتعاطف معه من خلالها العالم بمسلميه وغيرهم،بصغاره وكباره برجاله ونسائه وشبابه وشيوخه.
فهذا الانشغال بليلة استشهاد صدام سيحدث تقريبا نفسه -مع فرق كبير بين المناسبة والرجلين طبعا -عند انتخاب باراك حسين رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية،بحيث قد كانت القلوب تتوجس من أن يسترسل النظام الدموي والعسكري في تقلد منصب الرئاسة للأكبر دولة في العالم من خلال جون ماكين: العنصري في جوهره والأسير المعتق في حرب فيتنام سابقا .
جون ماكين هذا قد كان نسخة طبق الأصل لجورج بوش الأب والإبن معا،كما أن العنصرية قد كانت تقطر على شكل نخامة من أنفه ودم مجمد في عروقه ومن بين أنيابه،ولهذا كرهه العالم كما كرهه الشعب الأمريكي نفسه والذي قد استفاق بعد أن فات الأوان وتبين له أنه قد كان يرشح على رئاسته أشباه" دراكولة" سفاكين للدماء وليس رؤساء محترمين لدولة راقية ومتحضرة في عصر التقدم والعولمة والتواصل الإنساني بغير حدود .
هذه الكراهية ستتجلى باتفاق الأمم عربيهم وأعجميهم من تلك الفرحة العارمة التي عمت أرجاء الأقطار المختلفة بانتخاب باراك حسين أوباما الكيني الإفريقي الأصل رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية وبتخلصهم إلى الأبد، إن أمكن وصحت التوقعات وما قد يفرضه الواقع ،من شبح السفاحين والظالمين أمثال بوش وماكين وغيرهما،والذين في الحقيقة قد يحتاجون إلى متابعة قضائية ومحاكمة عادلة باعتبارهم مجرمي حرب من الدرجة الأولى السيئة ومبذرين لأموال الشعب بغير حق شرعي أو معقول .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله :"إذا كره عبدا نادى جبريل إني أكره فلانا فاكرهه فيكرهه جبريل ثم ينادي جبريل في أهل السماء إن الله يكره فلانا فاكرهوه فيكرهه أهل السماء ثم توضع له الكراهية في الأرض".
ثالثا:الدراما العسكرية والمالية في انتخاب باراك حسين
من المشاع بأن الأسباب حول تألق هذا الرجل ذي الأصل الأفريقي الكيني هو ميله بعد أن أنجز دراسته القانونية إلى تولي الأعمال الاجتماعية والعناية بالمجتمع المدني وتقديم الخدمات والمساعدات وتحقيق المصالح لسكان المنطقة التي يباشر العمل بها وخاصة في ولاية شيكاغو.وهذا دور مهم ومبعث للتفاؤل والثقة لكنه ليس كل شيء في القضية وليس هو العامل الحاسم في الولايات المتحدة الأمريكية،وذلك لأن القوة الفاعلة في اتخاذ القرارات قد يمتلكها الأغنياء من الرأسماليين وأصحاب اللوبيات المختلفة والتي قد تدير فعليا دواليب الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية.بحيث لو أرادوا تزوير الانتخابات لصالح أهدافهم وتطلعاتهم لفعلوا،ولكنهم في هذه المرحلة قد اختلطت عليهم الأوراق وتبعثرت بسبب الخسائر التي منوا بها في حرب العراق وأفغانستان قد كان من نتائجهما الأزمة المالية حاليا والتي دخلت عليهم من البيوت والأحياء بعدما كانوا يتوهمون بأن الحرب تدور بعيدا عنهم في أقاصي البلاد.وهذه الأزمة نفسها فيها نظر:هل هي أزمة حقيقية أم مفتعلة لتبرير عدوان جديد أو مصادرة أخرى لحق دولة من الدول في الحرية والاستقلال بالمال أو القرار؟.
من هنا فالحزب الجمهوري سيكون قد استنفذ طاقاته بعدما رشحه الشعب الأمريكي لدورتين متتاليتين بالرغم من عدوانيته ودمويته ونزعته العسكرية الفاشية في تهديد أمن العالم وسلمه واستعمال منطق إرهاب الدولة،وهو هنا قد يتحمل مسئوليته في انهيار نظامه السياسي المرتقب والمالي المستغرب بمصارفه وقوة دولاره.
إذن،وعلى ضوء هذا المآل فقد جاء دور الحزب الديمقراطي للعب ورقة جديدة وبأوجه مختلفة وتحت طعم شهي ومتناقض في آن واحد،وذلك بترشيحه لهيلاري كلينتون زوجة بيل كلينتون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق،وكأن هذا النظام قد أصبح وراثيا ولكن بثوب مقنع وتحت ذريعة حق المرأة في الترشح لرئاسة الدولة،وهذا نوع من العنصرية المغلفة والمضمنة بعدم المساواة الفعلية سابقا بين النساء والرجال في الحقوق قد أرادوا استدراكها شكليا بهذا الترشيح.
والوجه الآخر لرفع شبهة العنصرية كورقة انتهازية لتحقيق المراد هو ترشيح هم لباراك حسين أوباما،الرجل الأسود الذي كانوا بالأمس القريب يعتبرونه من الدرجة الثانية إن لم نقل من الدرجة الرابعة بعد كلابهم وهذا ما تفوح بخََنَزه ورعونته من خلال السؤال الذي طرحه أحد الصحفيين الوقحين على باراك غداة انتخابه رئيسا ب:كيف ستتعامل مع الكلب الموجود بالبيت الأبيض عند بوش؟.وهو السؤال الذي لم يرد باراك حسين الإجابة عنه وتفاداه بحكمة ولامبالاة في الظاهر.
إن ترشيحهم لباراك الرجل الأسود الكيني الإفريقي لم يكن له من دافع سوى زعم امتلاك زمام الديمقراطية النموذجية وإلغاء كل مظاهر الميز العنصري لكسب أصوات الناخبين الجدد وخاصة من السود أو الشباب الذين لم يقرؤوا التاريخ ولم يتابعوا بدقة وحرية أحداث العالم المعاصر،والتي قد تكسر عندها زيف مزاعم الديمقراطية الأمريكية وتبدى معها عدم احترام حقوق الإنسان حيث كان مرتعه بلاد الرافدين:أرض العراق وطهارة الأعراق.
لكن في الحقيقة وعند التأمل لم يكن ترشيح باراك حسين -الرجل الأسود اللون- من طرف الديمقراطيين سوى اعتباره" أرنبا للسباق" إلى "البيت الأبيض"الذي بحمله صفة الأبيض فيه دليل واضح -قليل من يتفطن له- على تكريس الميز العنصري حتى في عنونة أماكن الحكم وتدبير شؤون الدولة،إلا أنه عند الحملة الانتخابية التمهيدية للحزب سيبرز تفوقه على تلك المرأة البيضاء هيلاري كلينتون بشكل لافت للنظر وسيتخطى مستوايتها ومناوراتها سواء في طريقة خطاباته أو تحركاته وقدرته على المواجهة والمناورة وكسب إعجاب الجمهور، الشيء الذي أدى إلى التسليم بالأمر الواقع من طرف مقرري الحزب الديمقراطي واللجوء إلى الخيار الاضطراري لباراك حسين أوباما وذلك على مضض،وذلك لأنه بعدما كان مجرد أرنب للسباق سيصبح بالقوة والواقع الإمبيرقي -كما يعبر علماء الاجتماع الأمريكيين- ماردا وبطلا قد ربح الرهان إلى البيت الأبيض كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية،شأنه في ذلك شأن العدائين الكينيين الذين قد لا يرضون بغير البطولة والمراتب الأولى مع تحطيم الأرقام القياسية في السباق وهذا ما قد حصل فعلا لباراك حسين أوباما مع بيض أمريكا ولوبياتها واستخباراتها حيث لم تنفع المناورات ولا الإقصاء العنصري عبر التاريخ،لأنه ما ضاع حق وراءه طالب.وهكذا،فبعدما كان السود هم المؤسسون فعلا لقوة الولايات المتحدة الأمريكية وبعدما حرموا من حقهم في تدبير شؤونها سيعودون في النهاية لكي ينالوا حقهم باستحقاق شعبي عارم وشهادة عالمية على نجاحهم.أو ربما قد يكون الأمر فخا لهم بعدما أخذت أمريكا في الانحدار حتى يحمل البيض السود مسؤولية سقوط الدولة الأمريكية وأنهم لما تولوا شؤون إدارتها كانت نهاية التاريخ في تصورهم،أي نهاية أمريكا كدولة عظمى !.كل هذه الأحكام قد تبقى محتملة في بلد بنى قوته على المناورات واللعب على وجهي العملة المزيفة من أجل المصالح الذاتية لا غير...
لا ينبغي أن نكون أغبياء أو أن نستبق الأحداث ونحكم على إيجابية هذا الانتخاب أو سلبياته وذلك لأن الأيام هي وحدها كفيلة بتحديد نوع النتيجة،فلربما يكون هذا الحدث أعظم شرا من سابقه أو مثله أو أقل منه.لكن المهم فيه هو أنه قد أشفى نسبيا غليل بعض المستضعفين ممن اكتووا بنار الظلم الذي أصابهم من سكان البيت الأبيض العنصري والذي سود وجهه البيض أنفسهم في انتظار مجيء السود لكي يبيضوه من جديد ولكن هيهات هيهات العودة إلى مستوى ما فات !.
لكل شيء إذا ما تم نقصان = فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما تداولتها أمم =من سره زمن ساءته أزمان
لكن مقدمات النتائج وصدق التفاؤل قد يكمن في موقف باراك من احتلال العراق ومن النزعات الانفصالية في الدول العربية والتي قد غذتها الولايات المتحدة الأمريكية بمناوراتها وغطرستها.
فإذا أقر بالخطأ في غزو العراق وعمل على رد الاعتبار لأهله وشهدائه ووحدة ترابه ولو بمجرد الاعتذار الرسمي والانسحاب الفوري بقواته منه فذلك ما كنا نبغي،وهو نفس الموقف ينبغي أن يتخذ حيال أفغانستان والصومال وغيرهما،وإذا أصر على المناورة والمماطلة لاستغلال الوقت وترديد النفس لتعاود أمريكا كرتها بعد معافاتها التي تنشدها من كبوتها الاقتصادية والعسكرية فذلك عنوان على أنها ستبقى مجرد أفعى تريد أن تبتلع فرائسها من جديد بعدما استعصت عليها في المرة الأولى،ومن هنا فقد لا نتمنى لباراك أن ينجح بهذا التصور وهذه النيات مهما كان لونه وشكله أو جذوره، طالما أنه لم يلتزم العدالة ومبادئ احترام حقوق الدول والشعوب.
من جهة أخرى فقد تقاس مدى قدرة باراك حسين أوباما على النجاح أو الفشل من خلال موقفه من "الصحراء المغربية" وتسليمه بمغربيتها وبالحل السلمي الذي اقترحة المغرب بسياسييه-وعلى رأسهم الملك الرائد في المبادرات الشجاعة والواقعية :سيدي محمد السادس -وبتأييد شعبي وطني موحد لها كوسيلة وتنازل نسبي وشجاع عن حقنا الكامل لتفادي تواصل النزاع إلى ما لانهاية له،وكذلك من خلال المساهمة في التطبيق الفعلي لفرضية "الحكم الذاتي في الصحراء المغربية" والتي قد لا ينازع في مغربيتها إلا الحاقدون من حكام الجزائر ذوي النزعات التوسعية البائدة والمتموضعة خارج دائرة التاريخ والجغرافية وما يسير عليه العالم واقعيا وأخلاقيا وسياسة معاصرة.
فإذا كان باراك مؤيدا للطرح المغربي بالوحدة الوطنية ومغربية الصحراء في ظل الحكم الذاتي ومنطق لا غالب ولا مغلوب،فنقول له هنيئا لك بفوزك ومتمنياتنا لك بالتوفيق،وإذا كان العكس مع زيادة التوتر في المنطقة ونية تمزيق وحدتنا الترابية والوطنية فنقول له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لكسرى حين مزق رسالته التي أرسلها إليه سلما ورحمة :"مزق الله ملكه كل ممزق" ! وهو ما لم نرد أن نتمناه أو نسارع بالحكم به والدعوة عليه به في اللحظة الراهنة.
ونفس الموقف قد يطلب من باراك حسين بخصوص الوحدة الوطنية والترابية لباقي الدول العربية وخاصة فلسطين ومعاناة أهلها وحصار غزة وخلخلة لبنان وسوريا والسودان من خلال افتعال مشكلة دارفور ومحاولة فصل الجنوب عن الشمال،كل هذا قد يكون بمقياس واحد ومطلب عربي وإسلامي مجمع عليه وهو: احترام وحدة الدول وسيادتها وإلا فالفشل هو حليفك مهما كانت مفاوزك وشعاراتك،وكما تدين تدان.
فجميع الاحتمالات واردة بخصوص مواقف الرئيس الأمريكي الجديد ولن نقر بالفشل أو النجاح حتى يتبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود مما يتخذه الرجل الأسود باراك حسين أوباما من قرارات عملية. يقول الله تعالى:"قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير" والله الهادي إلى الصواب وما فيه خير البلاد والعباد.
الدكتور محمد بنيعيش
جامعة القرويين
المغرب
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه
أولا:معْبر تاريخي واجتماعي نحو أمريكا:
من المعلوم أن أمريكا حديثة العهد بالتاريخ،وكما يقال بأن أول من اكتشفها هو الرحالة كريستوف كولومب،لكن الآثار قد تدل على أن هناك أقواما قد سبقوه في هذا الاكتشاف وتركوا بصماتهم على هذه القارة الفتية،من بينهم العرب ولا عجب في ذلك ،لأنهم كانوا دائما رواد الرحلات والمغامرات عبر العالم ولو في بحر الظلمات أي المحيط الأطلسي كما كانوا يسمونه.
لكن الإشكالية في إثبات الأسبقية لهم قد تكمن في مسألة الذهاب والإياب.بحيث لم يكتب لأولئك السابقين فيما يبدو العودة من تلك الرحلات في بحر الظلمات الذي كان يتوهم أنه يبتلع كل من أبحر فيه،ومن هنا فلم يدوَّنوا في التاريخ على عكس حملة كريستوف كولومب التي قد عرفت الذهاب والإياب مسجلا ومؤرخا له في المدارس،وبهذا فقد اعتبر أول مستكشف للقارة الجديدة كترسيخ لهذا الادعاء بينما الحقيقة غير ذلك-كما يذهب كثير من المؤرخين المحققين-.
فلربما يكون كريستوف كولومب قد عرفها وأخفاها أو لم يكن قد توصل إليها حتى جاءت البحوث من بعده لتثبت بأن البرتغال أو الإسبان ليسوا أول من اكتشف القارة الجديدة.
المهم هو أن القارة قد اكتشفت وبالتالي توالت الرحلات وانفتحت شهية الدول الاستعمارية لاقتناص الحظ الأوفر من الكعكة البكر والطرية الغضة،فكانت بريطانيا الأكثر حضورا هناك بالقوة والاستعباد والإقصاء والتعمير،وخاصة في الجانب الشمالي من القارة عن طريق استجلاب العبيد من أفريقيا السمراء واغتصاب حريات رجالها بالتفريق بين الأبناء والآباء والأزواج والزوجات وتلاحق الأجناس وتفاوت الاعتبار بين السابقين واللاحقين حتى جاءت ثورة أو معركة بوسطن وانهزام بريطانيا وتراجعها كقوة وصية على الأمريكانيين سواء من أصل إنجليزي أو إفريقي وغيرهم،وبعدها تم رفع شعار الحرية وتأسيس الدولة الجديدة بقيادة جورج واشنطن كأول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية الحديثة.
وهكذا سيتوالى بناء هذه الدولة من منطلق صناعي وفلاحي على أكتاف العبيد الأفريقيين ومن خلال وديان عرقهم واستغلال تقطع أعراقهم لإخضاعهم بالقوة نحو العمل الشاق وحرمانهم حتى من حظهم الإنساني في النوم والراحة الطبيعية والضرورية لكل كائن حي.
لسنا الآن بصدد تفصيل المراحل التاريخية للولايات المتحدة الأمريكية عند نشأتها وتطورها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن ،ولكن كان لا بد من الإشارة إلى الوجه العام الذي ظهرت به هذه الدولة أول ما ابتدأت والمبني أساسا على مبادئ التوسع والاستعباد واستغلال طاقات الشعوب الوافدة طواعية والمستجلبة بالقوة لحساب فئة محدودة من البورجوازية الكبرى المتوحشة، والتي قد كانت وما زالت مؤهلة للتجارة في السلع المشروعة والمحرمة،وفي الحيوان والإنسان سواء كان حيا أم ميتا ما دام يمكن من خلاله جلب المال من فرائه وعظامه وأعضائه !...
فأمريكا ليست فقيرة من حيث ثرواتها كما أن المناسبة غير قائمة بين تعداد سكانها ومستوى الطلب والعرض لديها آنذاك،إلا أن طبيعة تصورها للامتلاك والاستهلاك قد انبني على قاعدة الشره غير المحدود،والذي يطبع الإنسان الطامع بغير قيود كما وصفه نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:"لو كان لابن آدم جبل من ذهب لتمنى أن يكون له جبلين ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب ".
بحيث ستصبح طبيعة تلك الفئة البورجوازية من الطبقة العليا في المجتمع الأمريكي ذات شره لا يطاق حتى لقد بدأت مطامعها ترمي إلى غزو الفضاء واستغلال مواده وخيراته إن كانت توجد هناك من مثل الذهب والماس والمعادن الثمينة تحت مبرر علمي كما يزعمون...وهذا كله قد يؤشر على وجود مرض نفسي خطير ونزعة فرعونية في بناء الصرح الذي يريد به تحدي الوجود وربه كما ذكره القرآن الكريم.
هذا الشره سيظهر على أعلى مستوياته في التطاول على الدول وابتلاعها لم تراع في ذلك دولا كبرى من صغرى أو متوسطة،قد كان من أهمها الاتحاد السوفيتي الذي كان على نمطها في نزعته التوسعية والاستعمارية والذي قد تفتت في وقت وجيز لم يكن في حسبان المؤرخين والمتتبعين للأحداث وقوعه.
عند هذه المرحلة ستزداد أطماع أمريكا وشرهها وشعاراتها نحو العولمة والنظام العالمي الجديد بزعمها وزعامتها،ولم يأخذ زعماؤها العبرة بما حدث للإتحاد السوفيتي والضربة القاصمة التي جاءته من خلال غزوه لأفغانستان البلد الفقير والمتخلف تقنيا ومدنيا.
فغزته أمريكا عقب الاتحاد السوفيتي من جديد ظانة أنه لقمة سائغة وسهلة للابتلاع ومعتقدة في شعبها الضعف والوهن والانقسام ضد نظام طالبان،ثم بعد توهم التمكن من هذا البلد الجريح ستثني بالعراق بلد الأمجاد والحضارات والقيم عبر التاريخ وبلد الأنبياء والأولياء والقباب الشامخة،وبلد بغداد والرشيد وسر من رأى.
بحيث لم تراع إلا ولا ذمة عند هذا الغزو الشنيع ولم تحترم حقوق حرب ولا سلم ولا عروبة ولا إسلام فكانت فضيحة سجن "أبو غريب" خير شاهد وشر مشهد وناطق بالصوت والصورة على فظاعة السلوك الأمريكي وزيف الديمقراطية التي يموهون بها على الناس،وبالتالي ظهرت أمريكا بوجهها القبيح والعنصري المقيت والذي قد يفرق بين الأبيض والأبيض نفسه فما بالك فيما بين الأبيض والأحمر أو الأسود.
وما خرافة تحرير العبيد في الولايات المتحدة التي زعمت في عهد الرئيس أبراهام لنكولن إلا غطاء لاستعباد كلي للجنس الأسود برمته معه الهنود الحمر،وهو ما قد تجلى في نظام الميز العنصري والمعاناة التي كابدها السود في رد اعتبارهم وذلك بشكل جماعي قد يندى له جبين تاريخ الإنسانية عن بكرة أبيها ولم يمارس له مثيل ولو في العصور الحجرية الغابرة.
بحيث من خلال هذا الميز قد كان الأمريكيون البيض يكرسون أيديولوجية استعباد السود حيثما كانوا ومن أي قارة انحدروا وبأية لغة تكلموا :"فمتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"كما عبر بصدق الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه والذي قد تربى على يد سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين بمبادئ"كلكم لآدم وآدم من تراب...لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى".
وعند العراق كان محط رحال أمريكا أو "نهاية التاريخ" حسب تنظير فوكوياما وخاصة عند سقوط الشيوعية والنظام السوفيتي بالتحديد،لأن العراق لحمه مر وقد يستعصي على الهضم بسهولة،ورجاله أحرار وليسوا بعبيد،بل إلى بلدهم قد كان يساق العبيد من الروم وفارس،وبفضل مبادئ الحرية والمساواة بين الشعوب والأجناس كما علمهم الإسلام فقد عرف الكثير منهم حريته ونبغ في شتى فنون العلم والأدب والسياسة والأحكام السلطانية. ورغم اعتبار بعضهم من الموالي فقد تقلدوا المناصب العليا في بيت الخلافة وحرروا الفلسفات والنظريات والخطط الحربية والسلمية بين أروقتها،على عكس أمريكا التي شرعت في قتل العلماء من أهل العراق والاستهانة بأعزة القوم وأشرافهم قصد الإذلال والإهانة كان على رأسهم الشهيد "صدام حسين" رئيس العراق الأبي.
فأمريكا تقتل الأبرياء من المدنيين والشرفاء من تجلة الشعب العراقي بطريقة غير مشروعة ولا عادلة والمجاهدون يصفون ويبيدون الجنود الأمريكيين بالعدل وحق الدفاع عن النفس واسترجاع الحرية التي أرادت أن تسلبهم منها كما فعلت مع السود من أفريقيا والهنود الحمر؛ السكان الأصليون في أمريكا نفسها.فهذه بتل، لكن الأولين شهداء وأبطال والآخرون أجياف وأعلاج كفرة كما كان يصفهم محمد سعيد الصحاف وزير الإعلام العراقي عند الحرب،وشتان الفرق بين مآل أحد الجانبين وغيره وغاياته.
فكان أن أصبحت الدائرة على أمريكا وانكسر شرهها وأطماعها على محراب المقاومة العراقية الباسلة والتي قعد نموذجها بالروح والدم الشهيد صدام حسين رحمه الله تعالى حينما كان يردد دائما بأن العراق سينتصر على الأمريكيين مهما طال الليل أو قصر،ومن مبدأ إن خسران حرب ليس معناه خسران معركة وهي "أم المعارك" كما كان يسميها.
وفعلا فلقد صارت أم المعارك بكل المقاييس التاريخية والعسكرية والسياسية والأخلاقية مع ما عرفته من مشاهد درامية واقعية وليست من صنعة سينمائية في هوليود،والتي قد عرت عن بشاعة وخسة النظام العالمي الجديد وبؤس الديمقراطية الغربية من خلال متزعمتها الولايات المتحدة الأمريكية .
فبالرغم من التعتيم الإعلامي الذي ضربته أمريكا في هذه الحرب القذرة لإخفاء الخسائر الفادحة التي يمنى بها -صباح مساء- الجيش الأمريكي المغرور فقد فاضت الكأس من حيث لا يشتهيه شاربها وخرج علينا بفاتورة تقدر بآلاف البلايين من الدولارات كلها خسائر وكسور وجروح وعاهات مستديمة في عمق النظام الأمريكي العدواني والفاشي،والتي لم تستطع تعويضها لا سرقة البترول ولا الآثار الحضارية الخالدة للعراق ولا أية مكاسب أخرى ذات قيمة مادية صرفة،فكانت عند هذا:الأزمة المالية الشاملة والتي قد لا ندري إلى أين ستودي بأمريكا والعالم.
ثانيا:باراك حسين وصدام حسين:أية مقاربة سياسية
للأسماء معاني و دلالات على السلوك ومجريات الواقع ،لكن الأمريكيين بنزعتهم العنصرية أبوا إلا أن يسقطوا كلمة حسين من لقب باراك،وذلك لوعيهم بما يمكن أن يثيره اسم حسين من حساسية لدى كل عنصري يكره العرب وأسماءهم البطولية كشهيد الأمة في الماضي سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما،وأيضا كشهيد العصر صدام حسين رحمه الله تعالى .
وحيث أن جورج بوش الابن وقبله الأب )السفاح ومجرم حرب –(بالمقاييس الدولية والقانونية وأيضا بالميزان الشرعي الديني-قد كان يكره صدام حسين لعروبته وشهامته فقد كان من حكمة الله تعالى أن جعل انهزام بوش أعوان مخططه العدواني على يد رجل يحمل جانبا من اسم الرجل الذي أقض مضجعه وهو: باراك حسين أوباما.
لا يهمنا هنا ما هو توجه باراك السياسي أو العقدي ولكن الذي يعنينا هو كيف استطاع هذا الرجل المنحدر من أصول إسلامية والده اسمه حسين من أن يربح الرهان ويسقط بوش الخاسر وقلعته العنصرية بشتى لوبياتها واستخباراتها ...
فبوش -الذي قد يعني بالإنجليزية الشجيرة القصيرة القزمة والمنطوية على نفسها والشعثاء- سيصبح أشعث مكفهرا وممحوقا،بل مكروها من لدن سكان العالم بعدما كان يروج في حرب العراق لتكريس كراهية هذا العالم نفسه لصدام حسين بزعم الديكتاتورية والإبادة الجماعية لشعبه ...وذلك من خلال الأكاذيب والافتراءات وتزوير الحقائق حول ما يسمى بأسلحة الدمار الشامل،لكن الحقيقة ستفند كل هذه المزاعم وسيظهر صدام حسين عند محاكمته بالباطل وعند استشهاده:بطلا مغوارا صادقا وإنسانا مسلما ثابتا على مبادئه وعقيدته،والذي سيحترمه ويتعاطف معه من خلالها العالم بمسلميه وغيرهم،بصغاره وكباره برجاله ونسائه وشبابه وشيوخه.
فهذا الانشغال بليلة استشهاد صدام سيحدث تقريبا نفسه -مع فرق كبير بين المناسبة والرجلين طبعا -عند انتخاب باراك حسين رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية،بحيث قد كانت القلوب تتوجس من أن يسترسل النظام الدموي والعسكري في تقلد منصب الرئاسة للأكبر دولة في العالم من خلال جون ماكين: العنصري في جوهره والأسير المعتق في حرب فيتنام سابقا .
جون ماكين هذا قد كان نسخة طبق الأصل لجورج بوش الأب والإبن معا،كما أن العنصرية قد كانت تقطر على شكل نخامة من أنفه ودم مجمد في عروقه ومن بين أنيابه،ولهذا كرهه العالم كما كرهه الشعب الأمريكي نفسه والذي قد استفاق بعد أن فات الأوان وتبين له أنه قد كان يرشح على رئاسته أشباه" دراكولة" سفاكين للدماء وليس رؤساء محترمين لدولة راقية ومتحضرة في عصر التقدم والعولمة والتواصل الإنساني بغير حدود .
هذه الكراهية ستتجلى باتفاق الأمم عربيهم وأعجميهم من تلك الفرحة العارمة التي عمت أرجاء الأقطار المختلفة بانتخاب باراك حسين أوباما الكيني الإفريقي الأصل رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية وبتخلصهم إلى الأبد، إن أمكن وصحت التوقعات وما قد يفرضه الواقع ،من شبح السفاحين والظالمين أمثال بوش وماكين وغيرهما،والذين في الحقيقة قد يحتاجون إلى متابعة قضائية ومحاكمة عادلة باعتبارهم مجرمي حرب من الدرجة الأولى السيئة ومبذرين لأموال الشعب بغير حق شرعي أو معقول .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله :"إذا كره عبدا نادى جبريل إني أكره فلانا فاكرهه فيكرهه جبريل ثم ينادي جبريل في أهل السماء إن الله يكره فلانا فاكرهوه فيكرهه أهل السماء ثم توضع له الكراهية في الأرض".
ثالثا:الدراما العسكرية والمالية في انتخاب باراك حسين
من المشاع بأن الأسباب حول تألق هذا الرجل ذي الأصل الأفريقي الكيني هو ميله بعد أن أنجز دراسته القانونية إلى تولي الأعمال الاجتماعية والعناية بالمجتمع المدني وتقديم الخدمات والمساعدات وتحقيق المصالح لسكان المنطقة التي يباشر العمل بها وخاصة في ولاية شيكاغو.وهذا دور مهم ومبعث للتفاؤل والثقة لكنه ليس كل شيء في القضية وليس هو العامل الحاسم في الولايات المتحدة الأمريكية،وذلك لأن القوة الفاعلة في اتخاذ القرارات قد يمتلكها الأغنياء من الرأسماليين وأصحاب اللوبيات المختلفة والتي قد تدير فعليا دواليب الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية.بحيث لو أرادوا تزوير الانتخابات لصالح أهدافهم وتطلعاتهم لفعلوا،ولكنهم في هذه المرحلة قد اختلطت عليهم الأوراق وتبعثرت بسبب الخسائر التي منوا بها في حرب العراق وأفغانستان قد كان من نتائجهما الأزمة المالية حاليا والتي دخلت عليهم من البيوت والأحياء بعدما كانوا يتوهمون بأن الحرب تدور بعيدا عنهم في أقاصي البلاد.وهذه الأزمة نفسها فيها نظر:هل هي أزمة حقيقية أم مفتعلة لتبرير عدوان جديد أو مصادرة أخرى لحق دولة من الدول في الحرية والاستقلال بالمال أو القرار؟.
من هنا فالحزب الجمهوري سيكون قد استنفذ طاقاته بعدما رشحه الشعب الأمريكي لدورتين متتاليتين بالرغم من عدوانيته ودمويته ونزعته العسكرية الفاشية في تهديد أمن العالم وسلمه واستعمال منطق إرهاب الدولة،وهو هنا قد يتحمل مسئوليته في انهيار نظامه السياسي المرتقب والمالي المستغرب بمصارفه وقوة دولاره.
إذن،وعلى ضوء هذا المآل فقد جاء دور الحزب الديمقراطي للعب ورقة جديدة وبأوجه مختلفة وتحت طعم شهي ومتناقض في آن واحد،وذلك بترشيحه لهيلاري كلينتون زوجة بيل كلينتون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق،وكأن هذا النظام قد أصبح وراثيا ولكن بثوب مقنع وتحت ذريعة حق المرأة في الترشح لرئاسة الدولة،وهذا نوع من العنصرية المغلفة والمضمنة بعدم المساواة الفعلية سابقا بين النساء والرجال في الحقوق قد أرادوا استدراكها شكليا بهذا الترشيح.
والوجه الآخر لرفع شبهة العنصرية كورقة انتهازية لتحقيق المراد هو ترشيح هم لباراك حسين أوباما،الرجل الأسود الذي كانوا بالأمس القريب يعتبرونه من الدرجة الثانية إن لم نقل من الدرجة الرابعة بعد كلابهم وهذا ما تفوح بخََنَزه ورعونته من خلال السؤال الذي طرحه أحد الصحفيين الوقحين على باراك غداة انتخابه رئيسا ب:كيف ستتعامل مع الكلب الموجود بالبيت الأبيض عند بوش؟.وهو السؤال الذي لم يرد باراك حسين الإجابة عنه وتفاداه بحكمة ولامبالاة في الظاهر.
إن ترشيحهم لباراك الرجل الأسود الكيني الإفريقي لم يكن له من دافع سوى زعم امتلاك زمام الديمقراطية النموذجية وإلغاء كل مظاهر الميز العنصري لكسب أصوات الناخبين الجدد وخاصة من السود أو الشباب الذين لم يقرؤوا التاريخ ولم يتابعوا بدقة وحرية أحداث العالم المعاصر،والتي قد تكسر عندها زيف مزاعم الديمقراطية الأمريكية وتبدى معها عدم احترام حقوق الإنسان حيث كان مرتعه بلاد الرافدين:أرض العراق وطهارة الأعراق.
لكن في الحقيقة وعند التأمل لم يكن ترشيح باراك حسين -الرجل الأسود اللون- من طرف الديمقراطيين سوى اعتباره" أرنبا للسباق" إلى "البيت الأبيض"الذي بحمله صفة الأبيض فيه دليل واضح -قليل من يتفطن له- على تكريس الميز العنصري حتى في عنونة أماكن الحكم وتدبير شؤون الدولة،إلا أنه عند الحملة الانتخابية التمهيدية للحزب سيبرز تفوقه على تلك المرأة البيضاء هيلاري كلينتون بشكل لافت للنظر وسيتخطى مستوايتها ومناوراتها سواء في طريقة خطاباته أو تحركاته وقدرته على المواجهة والمناورة وكسب إعجاب الجمهور، الشيء الذي أدى إلى التسليم بالأمر الواقع من طرف مقرري الحزب الديمقراطي واللجوء إلى الخيار الاضطراري لباراك حسين أوباما وذلك على مضض،وذلك لأنه بعدما كان مجرد أرنب للسباق سيصبح بالقوة والواقع الإمبيرقي -كما يعبر علماء الاجتماع الأمريكيين- ماردا وبطلا قد ربح الرهان إلى البيت الأبيض كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية،شأنه في ذلك شأن العدائين الكينيين الذين قد لا يرضون بغير البطولة والمراتب الأولى مع تحطيم الأرقام القياسية في السباق وهذا ما قد حصل فعلا لباراك حسين أوباما مع بيض أمريكا ولوبياتها واستخباراتها حيث لم تنفع المناورات ولا الإقصاء العنصري عبر التاريخ،لأنه ما ضاع حق وراءه طالب.وهكذا،فبعدما كان السود هم المؤسسون فعلا لقوة الولايات المتحدة الأمريكية وبعدما حرموا من حقهم في تدبير شؤونها سيعودون في النهاية لكي ينالوا حقهم باستحقاق شعبي عارم وشهادة عالمية على نجاحهم.أو ربما قد يكون الأمر فخا لهم بعدما أخذت أمريكا في الانحدار حتى يحمل البيض السود مسؤولية سقوط الدولة الأمريكية وأنهم لما تولوا شؤون إدارتها كانت نهاية التاريخ في تصورهم،أي نهاية أمريكا كدولة عظمى !.كل هذه الأحكام قد تبقى محتملة في بلد بنى قوته على المناورات واللعب على وجهي العملة المزيفة من أجل المصالح الذاتية لا غير...
لا ينبغي أن نكون أغبياء أو أن نستبق الأحداث ونحكم على إيجابية هذا الانتخاب أو سلبياته وذلك لأن الأيام هي وحدها كفيلة بتحديد نوع النتيجة،فلربما يكون هذا الحدث أعظم شرا من سابقه أو مثله أو أقل منه.لكن المهم فيه هو أنه قد أشفى نسبيا غليل بعض المستضعفين ممن اكتووا بنار الظلم الذي أصابهم من سكان البيت الأبيض العنصري والذي سود وجهه البيض أنفسهم في انتظار مجيء السود لكي يبيضوه من جديد ولكن هيهات هيهات العودة إلى مستوى ما فات !.
لكل شيء إذا ما تم نقصان = فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما تداولتها أمم =من سره زمن ساءته أزمان
لكن مقدمات النتائج وصدق التفاؤل قد يكمن في موقف باراك من احتلال العراق ومن النزعات الانفصالية في الدول العربية والتي قد غذتها الولايات المتحدة الأمريكية بمناوراتها وغطرستها.
فإذا أقر بالخطأ في غزو العراق وعمل على رد الاعتبار لأهله وشهدائه ووحدة ترابه ولو بمجرد الاعتذار الرسمي والانسحاب الفوري بقواته منه فذلك ما كنا نبغي،وهو نفس الموقف ينبغي أن يتخذ حيال أفغانستان والصومال وغيرهما،وإذا أصر على المناورة والمماطلة لاستغلال الوقت وترديد النفس لتعاود أمريكا كرتها بعد معافاتها التي تنشدها من كبوتها الاقتصادية والعسكرية فذلك عنوان على أنها ستبقى مجرد أفعى تريد أن تبتلع فرائسها من جديد بعدما استعصت عليها في المرة الأولى،ومن هنا فقد لا نتمنى لباراك أن ينجح بهذا التصور وهذه النيات مهما كان لونه وشكله أو جذوره، طالما أنه لم يلتزم العدالة ومبادئ احترام حقوق الدول والشعوب.
من جهة أخرى فقد تقاس مدى قدرة باراك حسين أوباما على النجاح أو الفشل من خلال موقفه من "الصحراء المغربية" وتسليمه بمغربيتها وبالحل السلمي الذي اقترحة المغرب بسياسييه-وعلى رأسهم الملك الرائد في المبادرات الشجاعة والواقعية :سيدي محمد السادس -وبتأييد شعبي وطني موحد لها كوسيلة وتنازل نسبي وشجاع عن حقنا الكامل لتفادي تواصل النزاع إلى ما لانهاية له،وكذلك من خلال المساهمة في التطبيق الفعلي لفرضية "الحكم الذاتي في الصحراء المغربية" والتي قد لا ينازع في مغربيتها إلا الحاقدون من حكام الجزائر ذوي النزعات التوسعية البائدة والمتموضعة خارج دائرة التاريخ والجغرافية وما يسير عليه العالم واقعيا وأخلاقيا وسياسة معاصرة.
فإذا كان باراك مؤيدا للطرح المغربي بالوحدة الوطنية ومغربية الصحراء في ظل الحكم الذاتي ومنطق لا غالب ولا مغلوب،فنقول له هنيئا لك بفوزك ومتمنياتنا لك بالتوفيق،وإذا كان العكس مع زيادة التوتر في المنطقة ونية تمزيق وحدتنا الترابية والوطنية فنقول له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لكسرى حين مزق رسالته التي أرسلها إليه سلما ورحمة :"مزق الله ملكه كل ممزق" ! وهو ما لم نرد أن نتمناه أو نسارع بالحكم به والدعوة عليه به في اللحظة الراهنة.
ونفس الموقف قد يطلب من باراك حسين بخصوص الوحدة الوطنية والترابية لباقي الدول العربية وخاصة فلسطين ومعاناة أهلها وحصار غزة وخلخلة لبنان وسوريا والسودان من خلال افتعال مشكلة دارفور ومحاولة فصل الجنوب عن الشمال،كل هذا قد يكون بمقياس واحد ومطلب عربي وإسلامي مجمع عليه وهو: احترام وحدة الدول وسيادتها وإلا فالفشل هو حليفك مهما كانت مفاوزك وشعاراتك،وكما تدين تدان.
فجميع الاحتمالات واردة بخصوص مواقف الرئيس الأمريكي الجديد ولن نقر بالفشل أو النجاح حتى يتبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود مما يتخذه الرجل الأسود باراك حسين أوباما من قرارات عملية. يقول الله تعالى:"قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير" والله الهادي إلى الصواب وما فيه خير البلاد والعباد.
الدكتور محمد بنيعيش
جامعة القرويين
المغرب