المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التحيز والتصنيف .. شياطين الفكر والإنس


بحلم
10-06-2008, 12:29 AM
لا يعاني الواقع من شيئ معاناته من " التحيز " و " التصنيف " ، فالنفسية ( المصنفة ) هي نفسية ترى الــ" تحيز " ضرورة لأي حكم سواء كان الحكم على الوقائع ، أو على الأشخاص ، أو على الهيئات والأحداث .
ماذا أقصد بالتحيز ؟

إن المطالع لما يدور بالساحة من صراع بين أفراد وجماعات ، ليدرك أن الانسان لا بد إن يتترس قبل إن يناقش ، فهو يتترس بفكر حزب أو جماعة او شخص ، ثم ينطلق من خلاله لمناقشة أي فكرة أمامه ، وهذا التحيز يؤدي مباشرة إلى " التصنيف " ، وقد يكون التحيز إلى " شلة " متوافقة بالفكرة والرأي ، وقد

يصنع هذا الرأي توافق شعوري من خلال إلفة بين مجموعة من الاشخاص ، فتراه يناصر أقوالهم ، ولا يند عن شي منها البتة ، وقد تدخل الاعتبارات العاطفية في الطريق ، فيترك فكرته التي يؤمن بها ليقول بقول فلان وعلان مخافة أن يفقد صلته الطويلة به ، لأننا تعودنا في واقعنا على " المفاصلة " في الأفكار ،


وطردها على مستوى واحد لا يقبل التجزئة ، ولا التفريق بين ما يمكن قبول الخلاف فيه وما لا يمكن قبول الخلاف فيه ، ولا نميز في كل قضايانا بين موارد القطع واليقين ، وبين موارد الظن والخلاف ..



إن هذا " التحيز " يحجب عن الانسان الرؤية " الاستقلالية " التي تجعله يتنبى القول عن قناعة ويقين ، ويحقق بذلك الرضا النفسي ، ويحقق كذلك ذاته وهويته من خلال رؤية هو مؤمن بها ايمانيا ذاتيا بعيدا عن أي مؤثر ، أو مدرسة ، او فئة ، إذ الشخصية المتحيزة هي شخصية مقولبة ومقودة ، ومبرمجة التفكير على رأي واحد قد حجب عنه أي قول آخر ، إذ لا تصدر إلا من جهة واحدة ، وخط مستقيم لا يوجد فيه


تعرجات تشحذ الذهن على النظر والتمعن ، وبهذا يسهم هذا التحيز بقتل ملكة الانسان الابداعية الفكرية ، فيعيش الانسان ذيليا لا يتحرك إلا حرّك ، ولا ينظر إلا بعين غيره ، ومثل هذا قد تعرف فكرته قبل أن يقولها ، وتعرف طريقته قبل إن يسيرها ، وتعرف فتواه قبل إن يتفوه بها ..




وهذا " التحيز " الذي يتخندق به الانسان يجعله ينظر إلى رؤيه خصمه من خلال " تصنيفه " له ، فهو يحين يصنف داعية مثلا بأنه ( متساهل ) فإن هذا كفيل بأن يرد فكرته قبل إن يقرأها ، وحين يصنف عالما بأنه

( حكومي ) فإن هذا يجعل بينه وبين هذا العالم خنادق نفسية عميقة ، فلا ينظر إلى قوله من خلال معيار الفكر والعلم ، بل ينظر إلى قوله من خلال " تصنيفه " له إولا ، ثم تحيزه إلى التيار المقابل لتيار هذا الشيخ ثانيا ، فيقطع على نفسه فرصة " التأمل " و " الاستقلال " في قبول الأفكار وردها .. ثم إن هذا " التصنيف " و " التحيز " يجعل الإنسان يبطل قناعاته الذاتيه عن الاشخاص ، ويحاكمهم من خلال منظوره التصنيفي ، فهو لا يجادل في أن هذا " الشيخ " هو سليم الاعتقاد ، محقق المسائل ، عالم بالعقل والنقل ، ولكنه يترك هذا كله لأنه رأى إن هذا الشيخ فيه نوع " تساهل " ، او فيه " انفتاح " او غير ذلك من المعاني المعلبة الجاهزة التي يرمي بها خصومه ليؤثر على نفسه وعلى من حوله في قطع الطريق على من يريد إن يتأمل بالاقوال دون أي مؤثر ..



إن كثيرا من الشباب يعاني من " خلوصية " ذاتية ، ويفترضها في المقابل ، فهو لا يمكن إن يفصّل في المسائل او في الاشخاص ، فيقبل البعض ويرفض البعض ، بل هو يفترض " الكمال " المطلق في الذات او في المقابل ، ثم لا يقبل من الانسان إن يتجزأ فيخطي مرة ويصيب أخرى ، بل لا بد إن يكون مصيبا على طول الخط ، وأي خطأ يحصل يجعله يفاصل الرجل كأنه لم يعرفه في يوم من الأيام ، وهذا الأمر هو الذي يحدث هذا " الانبعاج " في الدعوة والميادين الثقافية ، وهو الذي يشذر العمل ويشطر العاملين ، ويجعلهم شيعا وأحزابا ..



لقد جاء الاسلام ليحرر الانسان من التبعية الجاهلية ، ويرسخ معالم التبعية العلمية ، ويقضي على كل تعصب جاهلي في الفكر والسلوك ، فيعيش الانسان المسلم حرا في كرامته ، وحرا في اختياراته في إطار الاسلام وتعاليمه ، دون أن يسلم نفسه لمن يقوده مثل الشاة تقاد إلى حتفها ، وهذه الاستقلالية التي رسخها الاسلام هي التي كان يعيبها على الكافرين الذين يقولون

( إنا وجدنا آباءنا على ملة ، وإنا على آثارهم مقتدون ) ، وهي التي عاب فيها النصارى الذين

( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم إربابا من دون الله ) ، حين لا ينظر الانسان إلى الكون والانسان والحياة إلا من خلال ثقب فكر فلان أو علان ، والله تعالى قد منحه العقل النافذ ، والبصيرة الناقده ، والرؤية التي سلبها البهيمة التي تهيم بلا هدف ولا غاية ..



إن أشد ما ابتليت به الأمة في هذا الزمن هو ضمور الولاء للاسلام والدين ، وتضخم الولاءات لغيره ، حين يقدّم الانسان رؤية الاشخاص الذين يتحيز إليهم على غيرهم لا بمعيار العلم والنص وقواعد الشريعة وكلياتها ، بل بمعيار الحزب او الجماعة او الفئة او الشلة ، ضاربا بكل القواعد التي درسها عرض الحائط ، متشبثا بقوم قد يرفضونه او يطردونه من جنتهم في أي لحظة ، وحينها يعض أصابع الندم على اسلامه عقله لغيره ، واعطاءه الاخرين فرصة احتكاره وتسييره بعد إن حرره الله من رق الأفكار والاشخاص ، وجعله مسلما منيبيا لله وحده لا شريك له .



إن السلامة من " التصنيف " و " التحيز " تجعل الانسان ينظر إلى الحياة بنظرة عدل وانصاف وسلامه صدر ، فيكون كالنحلة التي تتجول في الفضاء الزاهي بحثا على رحيق طيب ، فيعيش في الفضاء الرحب الواسع ، بعيدا عن ضيق المناهج ، وعطن التحزبات التي تقضي على فكر الانسان وعقله ، وهذا كله لا يعني الغاء التعاون على البر والتقوى ، والعمل الجماعي الذي يثمر نهضة للأمة ، بل يقضي على إهدار كرامة الانسان وعبوديته لغير الله تعالى ..


إن " الاستقلالية " في التفكير لا تعني قطع الإنسان العلائق بالاخرين ، بل تعني استقلاله في الاختيارات النهائية في الافكار ، بعد إن يناقش فيها أهل العلم والفكر والعقل والرأي ، حتى يصل من خلال التأمل والاستنباط وشحذ الذهن واستفراغ الجهد والطاقة إلى رأي يراه صوابا ، دون أن يكون لهؤلاء تأثير على هذا الاختيار ، حينها يتنفس الصعداء ، لأنه مستعد أن يتراجع في أي لحظة عن هذا القول إذا استبان له ضعفه ، خلافا لمن هو مبرمج الرأي ، فلا يتراجع عنه حتى يتراجع عنه فلان ابن فلان .. والله المستعان




محبكم

بحلم

م////

عبدالمنعم
10-18-2008, 03:05 PM
السلام عليكم
مقالة غاية في الروعة تصيب كبده الحقيقة
فالتبعية و التحزب و التمذهب عوامل تساهم في إضعاف الأمة و تزيد مساحة الإختلاف
و التفرقة و أعني بالخصوص التعصب لفكرة على حسابة أخرى حتى لو كانت خاطئة
فهنا مكمن الخطورة أما تبني منهجية تراها مناسية و صحيحة تقوم على أساسها بالتعلم
و الإنتاج فهذا من أهم الوسائل للإبداع و الفهم مع اطالع و دراسة لباقي المنهجيات حتى
تضع قناعاتك أمام الإختبار و المقارنة و اتباع ما يظهر صحيحا بعون الله و توفيقه
و آخر فقرة كانة تلخيصا و إبداعا أعيد نقلها لروعتها و أهميتها و تقول :
(إن " الاستقلالية " في التفكير لا تعني قطع الإنسان العلائق بالاخرين ، بل تعني استقلاله في الاختيارات النهائية في الافكار ، بعد إن يناقش فيها أهل العلم والفكر والعقل والرأي ، حتى يصل من خلال التأمل والاستنباط وشحذ الذهن واستفراغ الجهد والطاقة إلى رأي يراه صوابا ، دون أن يكون لهؤلاء تأثير على هذا الاختيار ، حينها يتنفس الصعداء ، لأنه مستعد أن يتراجع في أي لحظة عن هذا القول إذا استبان له ضعفه ، خلافا لمن هو مبرمج الرأي ، فلا يتراجع عنه حتى يتراجع عنه فلان ابن فلان .. والله المستعان)
ما شاء الله عليك بحلم يعطيك ألف عافيه

بحلم
10-31-2008, 03:50 PM
بارك الله فيك اخي على التوضيح الكريم وتفاعلك مما يكتب يسلمو اخي تحياتي

خطوات
02-08-2009, 01:19 PM
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
**
*
التحيز والتصنيف
ابدعت يا اخي بحلم في قراءتهما وكنت مالكا لمقومات ادارة الدقة في الوصف والتمحيص في العرض ففعلت بالمفاهيم ما يفعله مفكرون يتجاوزون المعنى الى ما وراءه
ان درجت على ماقلته توقفت كثيرا عند بعض المشارف فالتحيز له توليفاته الفكرية وصناعته لم ترد بهشاشة فكر وانما بانقياد وله مسببات اجتماعية وتربوية لا تترك لللفرد حرية استغلال خاماته العقلية وتفضله مستوردا لها ثم مصدرا اياها بنفس الصيغ والا اعتبر متشدقا خارجا عن كنه الاثر والاتباع
هي الجاهزية التي نربى عليها من أننا يجب ان نمارس الاشياء من خلال عيون الاخرين وان نكون نسخا كاربونية تكمل تعبيد طريق الاولين والا استجلبنا اللعنة وهيجنا الاخرين ضدنا وانقلب فكرنا غراب بين
لا يمكننا يا اخي الفاضل ان نهمل تمكن العقل من بنائه من خلال الموروث الحضاري وافكار الاخرين فالعقل يثق بنتاجه السابق ولو لم يكن صاحبه المباشر..وديننا ذخر وكنز مهما تلونت مواضع الحياة يبقى مادة تسجل بكل تاريخ توقيعا مشرقا
هذا المزج والصناعة في الفكر يجعل الفرد يشكل مخزونه الذاتي وتتولد صفات التفاعل مع المجتمع تارة يغطيها غمام الفكر المحاذي واحيانا تتدفق المواقف نابعة من الداخل غير ممازجة لاتجاه او لشخص او جماعة وبين هذا وذاك لا يمكننا الغاء قوة التعبير المستقل في الابداع والا اتلف التميز وانتشرت الافكار الجاهزة بشكل اقوال او صناعات مستهلكة يفاخر مالكوها ان هناك الكثير باثرهم يطلبون ولكن هل هذا يشكل انتماء أم هو اندثار للقوة الداخلية في انسياب ضمن جهوزية التيارات؟
أتذكر مقولة حكيم من فترة صرخ عبرها قائلا
لاستعادة العقل البشري اغلقو الجامعات مائة سنة
اكيد هو لا يقصد اثر الجامعة التربوي واكنه يناشد العقول لتتجه الى الابداع اكثر من استلابها بالحشو فقط وحجب تلقائية الفكر في الخلق فالنتاج هو بصمة لا ننظر اليها من عين الظاهر فقط بل تلمس للدرب الذي ايقن هذا المنح
باختصار
نفتقر الى الانطلاق دون النظر من ثقوب الاخرين كما أشرت اخي بحلم وبنفس الوقت عدم الخروج من مرجعيتنا الدينية الواضحة المعالم لاننا نتعب سريعا مم نسميه اللغو الفكري ويكفي ان تلبسنا افكار الاخرين حتى نحس بسرعة الضوء
للمطلق صوت في لغة البيان
ولمطلق فكرنا قوة في مركز الكيان
فهذا كاف بالغاء التحيز والاذعان
**
*
دمتم بخير

أمة الله
02-23-2009, 03:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم جزاكم الله خيرا على الموضوع لإن التمذهب والتحيز هو الذي أضر كثيرا بالاسلام كل واحد يتعصب ويتحيز لمذهبه ومن تم التفرقة والكراهية وترك المجال لأعداء الاسلام لبث سمومه .
تحيات أمة الله